معركة المصحف في العالم الإسامي

معركة المصحف في العالم الإسامي

اتخذ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله من (المصحف) - وهو دستور الإسلام - عنوانًا للحرب الضروس التي يُواجَه بها الإسلام، ويُراد بها ليس فقط هزيمة المسلمين، بل تحريف عقائدهم، وإزالتهم من الوجود إن تيسّر ذلك!..

فيقول: «لقد ألّفتُ هذا الكتاب ليكون جهدًا مع الجهود المبذولة للدفاع عن (المصحف) المُهاجَم، وأمته المُعنَّاة في أنحاء الأرض، إنه يتناول حاضر ومستقبل أمة تزيد على 500 مليون إنسان [بلغ عددها الآن نحو مليار ونصف المليار]، عاث الاستعمار السياسي والثقافي في أرجائها فسادًا...!!».

والروح الذي لازمني وأنا أخط سطوره هو الذي لازم الشيخ محمد عبده عندما كان في باريس يُصدر مجلة (العروة الوثقى)، هذا الروح الذي وصفه الأستاذ أحمد أمين، فقال: «إن مقالات العروة الوثقى تنظر إلى العالم الإسلامي كله على أنه وحدة».

والشيخ الغزالي يؤكد ابتداءً أننا - نحن المسلمين - «نعتقد أن ما بين دفتي (المصحف) الشريف هو مراد الله من عباده، وأن هذا الوحي المصون يمثل قواعد الدين الواحد الذي تتابع المرسلون في العصور الماضية على الهداية به، ومناشدة أبناء آدم أن يقتنعوا وينتفعوا بما فيه. في هذا (المصحف) صور تامة رائعة للحق في العقيدة والخلق والعبادة والمعاملة تكفل للأمم معاشها هنا، ومعادها هناك!! وليس لهذا (المصحف) طابع إقليمي، ولا نزعة خاصة، وما أشعر - أنا المسلم الذي تعلمت على محمد صلى الله عليه وسلم - إلا أني تابع وفيّ لكل نبي سبق».

ويضيف: «إن هذا المصحف الشريف أفهمني أمرين؛ أولهما: أني سيد هذا الكون، ومن حقي أن أباشر سيادتي على كل شيء فيه، وأن أسخّره - علوًّا وسفلًا - في مرافق حياتي المختلفة.

والأمر الثاني الذي تعلمته من هذا المصحف: أن هذه الحياة الأرضية تمهيد لما بعدها من حياة باقية، وأن على البشر أن يخلطوا نشاطهم في تحصيل معايشهم بنشاط آخر في تأمين مستقبلهم عند الله!!».

ما هذا النشاط الآخر؟ إنه بداهة التزام ما شرع الله، والتأميل في ثوابه، والوجل من عقابه! وتصحيحًا لمفهوم الإيمان الذي يؤسسه هذا (المصحف)، يوضح الشيخ الغزالي رحمه الله أن الإيمان ليس نزوعًا فرديًّا إلى التقوى وسط بيئة ذاهلة غافلة، كما أنه ليس مجموعة من الاصطلاحات الاجتماعية المعزولة عن العبادة، أو المنقطعة عن وجه الله.. كلا!! إن عناصر هذا الإيمان حبات في عقد متماسك؛ إما أن يبقى كله، وإما أن ينفرط كله ويتعرض للضياع!

ويؤكد أن الإنسانية في نظر الإسلام معلولة بآفات شتى، ولكي نستشفي من هذه الآفات نحتاج إلى التداوي بالدين كله، إذ لا يُغني جزء منه عن جزء.

طبيعة الإسلام:

يوضح الشيخ الغزالي أن «طبيعة الإسلام تفرض أن (المصحف) للنفس والمجتمع والدولة، وأن أي قارئ للمصحف الشريف من أي قارة على ظهر الأرض يستطيع أن يستيقن أن الإسلام ينتظم الحياة العامة والخاصة، وأنه يتناول النفس الإنسانية في أعمق أغوارها، والمجتمع البشري في أوسع دوائره».

ويضيف: «إن للإسلام الذي ارتضاه الله دينًا لخلقه شيئًا آخر غير هذا الموت الأدبي والمادي الذي يرين على الرقعة الإسلامية التعيسة، إنه جملة الحقائق التي تنزّل بها الوحي الأعلى على الإنسان الوضيء الذكي الطهور القوي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ لتكون بصيرة هادية للناس، ورحمة شاملة للعالم: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89]، ويستحيل في هذا البيان الجامع أن نقبل عبثًا يتناوله بالمحو والإثبات والقبول والافتيات».

ثم يقارن الشيخ الغزالي بين طبيعة الإسلام وغيره من الشرائع، فيقول: «إن الإنجليزي المسيحي لا يشعر بحرج أن يحيا في ظل قانون للمواريث يمنح الابن الأكبر التركة كلها! ماذا خسر؟ إنه ليس في دينه ما يرد هذا، لكن المسلم لا يجوز أن يقبل العيش في ظل قانون مثل هذا يخالف نصوص كتابه».

ويحذّر قائلًا: «إن الآيات كلها متشابهة متماسكة، ويوم يُقضى بتعطيل إحدى الآيات، فإن العدوى لن تقف، وسيسري العطل إلى الوحي كله، ويعم الظلام!!».

مسير الإسلام بين المجتمع والدولة:

ثم يتعرض الشيخ الغزالي للإجابة عن تساؤل شاع على ألسنة كثيرة، يقول أصحابها معترضين: «إن الإسلام الذي قرأنا لكم ولغيركم بحوثًا مطولة في شريعته وعقيدته نظام مثالي، أو بتعبير آخر نظام خيالي!!، وأن تاريخ الدنيا لم يعرفه إلا سنين عددًا في دولة الخلافة الراشدة!!».

وردًّا على هذا التساؤل يجيب الشيخ الغزالي: «إن الإسلام صبغ الحياة العامة أغلب تاريخه، وأن المسلمين ظلوا ألف سنة وهم - بهذا الدين - أنضر أهل الأرض عيشًا، وأرقاهم فكرًا، وأعلاهم مستوى! كانت الأمم النصرانية واليهودية والوثنية دون جماعة المسلمين بيقين. وصحيح أن المسلمين – وهم بشر خطّاءون كغيرهم من البشر الخطّائين – لم يحتفظوا بالأوج الذي رفعهم الله إليه، ولم يلتزموا وصايا السماء التي شرفهم الله بها، ولكن الأفق الذي هبطوا إليه بتفريطهم كان أسمى من آفاق الحياة في الأمم الأخرى!».

ويضيف: «لم يهوِ المسلمون من علٍ، ويسقطوا من عين الله، إلا يوم قطعوا حبال الإسلام، واستهانوا بروابطه!!، حينئذٍ تسلطت عليهم الأمم التي كانت قديمًا تتعلم منهم وتقفو آثارهم، وتلك سنة الله في خلقه: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) [الإسراء: 7]، وهذا الكلام المجمل يحتاج إلى تفصيل وبيان».

ويُوضح أن الإسلام ليس شكل دولة وبرنامج حكم وحسب؛ إنه دين متعدد التعاليم، متسع الميادين، وشُعَبه التي تتفرع في الحياة تفرّع القنوات في الأودية، أو تفرّع العروق في الجسم كثيرة، وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها بضع وسبعون شعبة، وهذا عدّ ليس للإحصاء، ولكن لبيان استيعاب هذا الدين لمنازع النشاط الإنساني كله…

وقد ظل الإسلام - كما سبق القول - محور الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية قرابة عشرة قرون أو أكثر، بيد أن أخطاء شابت الحياة الإسلامية في بعض نواحيها، غير أن هذه الأخطاء لا يجوز الزعم بأنها عطلت الإسلام نفسه، أو باعدت بين حقائقه وسير التاريخ.

نحو تجديد الإسلام وتحرير أمته:

وفي مقابل الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون، يؤكد الشيخ الغزالي رحمه الله حاجة المسلمين إلى (التجديد)، موضحًا أن التجديد المطلوب يتمثل في تجلية حقائقه الأصلية، وتجريد التراث السماوي من الشوائب العارضة، وتمكين الأحرار والعقلاء من اعتناقه عن إعجاب ورغبة، ويقتضي ذلك عدة أمور:

- محاربة البدع والخرافات التي انضافت إليه وحُسبت دينًا، وهي ليست من الدين في شيء.

- أخذ الدين كله دون تفريط في نص من نصوصه أو قاعدة من قواعده، فإن العدوان على الدين بالانتقاص من معالمه كالعدوان عليه بالافتراء والتزيد، وكلاهما بعد عن الحق، وضلال عن الغاية.

- اصطفاء الدعاة الذين يحملون علومه، وينصرون في الحياة مبادئه، فإن الطريقة التي يتكونون بها، والمستويات التي لا يجوزون حدها تظلم الإسلام، وتقف بنجاحه عند آفاق دانية.

ولذلك قال ابن مسعود: «لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا». والأكابر ليسوا أصحاب الجثث الضخمة، ولا الأسنان المتأخرة، ولا الثروات العريضة، ولا الوظائف المهيبة، بل هم أصحاب الهمم البعيدة، والمروءات العالية، والعفة الظاهرة، والأبصار السديدة، والأفئدة الزاكية.

وفي هذا الصدد، يوضح الشيخ الغزالي رحمه الله أن الاستعمار جهد - بعد استمكانه من الأقطار الإسلامية - أن يُهوّن من قيمة العلم الديني والأوعية الحاملة له، وأن يجعل الصدارة لألوان أخرى من المعرفة وصنوف أخرى من الناس، تاركًا الكلام في الإسلام والاشتغال بتوجيهاته لأقوام في مؤخرة الحياة… كما جاء في تقرير اللورد «كرومر» - المندوب السامي البريطاني السابق في مصر - في كتابه (مصر الحديثة).

- حسن اختيار الوسائل العادية التي تحقق أغراضه وتثبت مبادئه؛ فالدين قد يأمر بالتداوي من العلل الوافدة، لكنه لا يتدخل في صناعة الأدوية، ولا في تركيب عناصرها، وتحديد مقاديرها، لأن هذه من شؤون الدنيا التي يدعها للفكر والتجربة والاختبار والاختيار.

ويؤكد الغزالي أن الميدان مفتوح أمام النشاط الإنساني الحر يخطئ ويصيب، ويتقدم ويتأخر في هذه الأعمال المدنية العادية…

الإيمان باقٍ وأهله ساهرون:

رغم صورة الواقع الإسلامي المؤلمة، فإن الشيخ الغزالي رحمه الله حريص - كعادته - على بث جذوة الأمل في الأمة، وإنارة طريق الكفاح لها، فيقول: «لقد علمت أن الاستعمار العسكري والغزو الثقافي أفلحا في خلق قوى تكره تعاليم الإسلام أشد الكره، لكن الجماهير المسلمة لم تنسَ دينها على كثرة المنسيات…».

ويبيّن أن الهدف هو «الإجهاز على هذا (المصحف)! وجعله حبرًا على ورق…»، ويختم بقوله: «إلا أن العاقبة للتقوى، والمستقبل القريب والبعيد للإسلام، دين الله من الأزل إلى الأبد…».


هذه المراجعة لكتاب: (معركة المصحف في العالم الإسلامي) للعلاّمة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، بقلم: الأستاذ السنوسي محمد السنوسي - الصحفي والباحث في الفكر الإسلامي حفظه الله.


تحميل الكتاب