قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا

التصنيف

المقالات

التاريخ

29/03/2024

عدد المشاهدات

520

الملف

تصفح ملف PDF

 يقول الله تعالى (102 قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا 103 الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا 104) [الكهف: 103 – 104]    

     فنلنتفكّر في الآية الكريمة ونتساءل: من هم الأخسرون أعمالاً اليوم؟ وهل إنسان اليوم يفكر في مقاصد أفعاله؟ وهل يسعى إنسان اليوم من أجل إصلاح الوطن والأمة؟ أم أن سعيه من أجل حرث الدنيا، فتكون رؤيته للعالم وللعمل دنيوية خالية من المعاني والقيم؟

  1_ أسباب إحباط السعي وبوار العمل .

     الأخسرون أعمالاً: هم الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلاً ونوالاً فنالوا هلاكاً وبواراً ، لكن كيف؟ أو كيف كانت بداية هذا النهج المبتور؟ فإن الجواب الذي يمكن أن نقدمه هنا بعد رصدنا لهذه الظاهرة هي أننا نلحظ أن الإنسان المعاصر لم يعد يفكر اليوم في أمته ومجتمعه، أو يتأمل في أهمية وقيمة الوطن من أجل الكفاح والنضال الفكري والعملي في سبيل الوطن، بل نجده يفكّر بقوّة في مصالحه ومنفعته ومشتهياته أولاً وأخيراً، وهذا الإقرار جاء من خلال التفكّر والتأمل بثبات في مسالك وطبيعة أفعال الإنسان المعاصر، التي كانت تعبّر عن الإفراط في حب الذات، وهنا ندرك أن هذا المسلك هو إعلان صريح بمبدأ أسبقية الفرد على المجتمع، كما أن السبب الرئيسي وراء هذا الانتهاج هو الفكر السلبي الحاضر بقوة في رسائل وسائل الإعلام التي جعلت التفكير غارقاً في الأنا، فأصبح الإنسان المعولم أكثر حباً للظهور، وذلك لإظهار مشاكله، والتعبير عن ميولاته وأحلامه، والتكشُّف عن مصالحه واحتياجاته، أو المطالبة بحقوقه وبذلك نسي مفهوم الجماعة والنحن لأن تفكيره انقلب إلى نموذج إنسان المنفعة (البراغماتي، النرجسي) الذي يسعى بكل قواه لتحقيق الملذات والرغبات الفردية، نجده غارقاً في التفكير في الأنا، وهكذا ضلَّ قِبْلةَ قلبه، لأنَّه أصبح يتنفس الهوى في أفكاره وأفعاله وعلاقاته، إلى أن انقلب تفكيره إلى نموذج إنسان المنفعة (البراغماتي، النرجسي).

 

السبب الثاني لخسران العمل وهباء السعي هو أن المنهج التربوي السائد مبتور عن مقاصده العليا (مناهج التعليم، مناهج التفلسف المعاصرة، ومناهج العلوم..) كل هذه المناهج فَصَلَت الفكرة عن القيمة، والعمل عن القيمة، وبترت فعل التفُكُّر في مقاصد وغايات الأعمال، لذلك كانت الوجهة مظلمة، بالإضافة إلى الفراغ الفكري الاجتهادي للإنسان المعاصر، وذلك من خلال فراغ الذاكرة الاجتماعية والنفسية من مفاهيم السعي والاجتهاد والعمل والإخلاص والتعاون والتراحم.

ومن بين الأسباب أيضاً طغيان وشيوع الأفكار البراغماتية والعلمانية في المجتمعات، حيث قلبت هذه الأفكار نظام المفاهيم والقيم العليا وساهمت في تخدير الحس الأخلاقي، كل هذا يصب في إعلاء وتضخيم الأنا وهدم التفكير في النحن، فلا نجد أفكاراً تحفز على عمل الجماعة وتساهم في تفعيل قيمة التعاون والتشارك الجماعي لمقصد خَيِّر ونافع، بل كل الحديث عن الأنا وحقوق الأنا وأسبقية مصالح الفرد على الجماعة، إلى أن انتشر مرض النرجسِيَّة، فأصبحت النرجسِيَّة هي الصورة الغالبة في الفكر والفعل، لذا فإن كل فكرة أو عمل تنسجه الذات النرجسِيَّة فإنه حتماً من حزب "الأخسرين أعمالاً"، لأن الذات المريضة بداء النرجسِيَّة نقضت غزلها من بعدة قوة (القوة الأخلاقية والإيمانية) ومزّقت نسيج العلاقات الاجتماعيالاجتماعية، ففقدت هذه العلاقات معنى الإنسانية ومعنى قيم التعايش والتعاون الأخلاقي، وخاصة الإحساس بآلام الآخرين، وهكذا بردت وتجمدت الأفئدة، "لقد ظهرت النرجسِيَّة في الواقع من الهجر المعمم للقيم والغايات الاجتماعيالاجتماعية، والراجع إلى عملية الشخصنة، يكون الاستياء من الأنساق الكبرى للمعنى مصحوباً دائماً باستثمار جامح للأنا، ففي أنساق ذات وجه إنساني وقائمة على المتعة والرفاهية وعدم التنميط، يسير كل شيء في اتجاه تعزيز فردانية خالصة، أو نفسِيَّة بتعبير آخر، متحررة من الأطر الجماهيرية، وتميل إلى تثمين الذات بشكل معمم، إن ثورة الحاجات وأخلاقها المتعية هي التي مكَّنَت الخطاب النفسي من الاشتباك بالحياة الاجتماعية ويتحوَّل إلى أخلاقيات جديدة للجمهور، وذلك عبر تذرية الأفراد بلطف، وإفراغ الغايات الاجتماعية تدريجياً من معانيها العميقة، وإن المادية المستفحلة في مجتمعات الوَفْرَة هي التي جعلت تَفَتُّقَ ثقافةٍ متمركزةٍ حول توسع الذات أمراً ممكناً، ولم يكن ذلك من خلال رد فعل أو إضافة روح، وإنما عبر عزل بحسب الطلب"[1]، هكذا تتحرر الأنا وتتلذذ بالاستقلالية والمتعية ليصبح النرجسي مهووساً بنفسه وبحياته وبإنجازاته مع اللامبالاة واللاشعور بآلام الآخرين، لأنه يعمل على تحرير الأنا على نحو دائم ليلاقي قدره المتمثِّل في الاستقلالية والتحرر، لأن همَّه هو حب ذاته"إن التنازل عن الحب، وأن أحبّ نفسي كفاية بحيث لا أحتاج لإنسان آخر ليجعلني سعيداً، هو البرنامج الثوري الجديد"[2].

   نسي النرجسي معنى الحب اللامشروط، ومعنى التراحم والرحمة، وتغافل عن الجانب العاطفي والوجداني الذي ينبغي أن يكون موجوداً في علاقاته مع الآخرين، خاصة مع الأقرباء والأصدقاء والعائلة، لذلك غَيَّب في مجتمعاتنا فعل التراحم والتوادد. يقول عبد الوهاب المسيري إن المجتمع التقليدي "جماعة مترابطة متراحمة لم تكن العلاقات فيها مبنية على المنفعة واللذة وحسب، إذ كانت هناك حسابات أخرى غير مادية وغير أنانية تشكل مُكَوِّناً أساسياً في هذه العلاقات...كل ما أود تأكيده هو أن المجتمعات التقليدية كانت تحوي منظومات قيمية وجمالية لم يؤد تقويضها وتدميرها بالضرورة إلى المزيد من السعادة، لقد تعلمت من المجتمع التراحمي أهمية الإنسان ككائن حر نبيل وأهمية العواطف وأهمية الافصاح عنها"[3]، لأن الإنسان أخو الإنسان، وليس ذئباً لأخيه الإنسان، ومقتضى هذه الأخوة أن يشارك الإنسان مع أخيه الإنسان في جميع لوازم الحياة؛ فرحاً وحزناً، لذةً وألماً.

    من بين الأسباب لانتشار الشخصية النرجسِيَّة المرضية نجد طغيان وشيوع الأفكار البراغماتية والعلمانية في المجتمعات من خلال الثقافة العلمانية التي تفصل بين الفكر والقيم والمعاني الإيمانية، حيث قلبت هذه الأفكار نظام المفاهيم والقيم العُليا وساهمت في تخدير الحس الأخلاقي، ويمكن أن نقدم هنا مثالاً عن سلطة الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في تخدير الضمير الأخلاقي، وتشييع نموذج واحد في انتهاج الفعل النرجسي، فمثلا "إنَّ الناس يذيعون بحفاوة حياتهم الحميمية في مقابل الظهور العابر في بؤرة الضوء، وهذه الاحتفالات باستعراض الذات ليست ممكنة إلا في عصر الاتصالات السريعة المتغيِّرة، في عصر اغتراب غير مسبوق، إن مثل الذين يعرضون أنفسهم على صفحات الفيسبوك كمثل أصحاب المدوَّنات الغارقين في النرجسِيَّة، يُنَفِّسون فيها عن أزماتهم وإحباطاتهم، ومنهم من يحاول التغلُّب مؤقتاً على مشاعر العزلة وعدم الأمان"[4].

إذن هناك سعي واجتهاد فردي من أجل عرض الذات وإظهارها في وسائل التواصل االاجتماعي، مع اللامبالاة بمنظومة القيم وأصول التربية، لأن الذَّات غارقة في حُبِّ النفس؛ أي مطيعة لملَّذات النفس وميولها الشهوانية.

2_ ﴿ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا . (أعمال النرجسي نموذجاً)

   نجد من سمات الشخص النرجسي المعاصر أنه مهووس بالإعجاب الذاتي أو بأعماله، وميله إلى الجمال الظاهري الجسدي، ويسمي جيل ليبوفتسكي هذا الفعل التجميلي بــ إعادة تدوير الجسد لأن"الإستثمار النرجسي للجسد يبدو جلياً من خلال آلاف الممارسات اليومية: القلق بشأن التقدم في العمر والتجاعيد، الهوس بالصحة والنظافة، طقوس المراقبة والصيانة(التدليك، السونا، الحمية)، الطقوس الشمسية والعلاجية (استهلاك العلاجات الطبية والمنتجات الدوائية)...لم يعد الجسد يحيل إلى شيء دنيء أو آلة، بل يدل الآن على هويتنا العميقة التي ما من سبب للخجل منها، والذي يمكن بالتالي أن يُستعرَض عارياً في الشواطئ أو الحفلات على حقيقته الطبيعية، لقد حقَّقَ الجسد كرامته كشخص وينبغي أن نحترمه، بمعنى السهر باستمرار على حسن سَيْره، والحيلولة دون تهالكه، ومحاربة علامات تدهوره من خلال إعادة تدوير دائمة عبر الجراحة والرياضة والحمية إلخ لقد أصبح الهرم الجسدي دناءة"[5]، لذا نجده يعشق المظهر والجسد، ويجتهد في إظهار محاسنه وجماله، كل هذا من أجل أن يبقى النرجسي مُعجباً بذاته، فيكون جوهر تفكيره في المظهر والإغراء الذاتي، ونجده دوماً يتساءل هل لا يزال محبوباً؟ "لقد حلّ الجسد النفسي مكان الجسد الموضوعي، وأصبح وعي الجسد بالجسد غاية النرجسِيَّة، ففي إحياء الجسد من أجل الجسد، وتحفيز الانعكاسية الذاتية، وغزو دواخل الجسد يكمن الفعل الذي تقوم به النرجسِيَّة، إذا كان الجسد والوعي يتبادلان، وإذا كان الجسد يتحدث على شاكلة اللاوعي، فلا بد من عِشْقِه والإنصات إليه، وينبغي أن يُعَبِّر ويتواصل، ومن هنا تأتي الرغبة في إعادة اكتشاف الجسد من الداخل، والبحث الشرس عن الميزات الخاصة، وهذا يعني النرجسِيَّة تحديداً، أي هذا العامل على نفسنة الجسد، وهذه الأداة التي تعمل على غزو ذاتية الجسد عبر جميع تقنيات التعبير المعاصرة والتركيز والاسترخاء"[6].

لذا ما نشاهده اليوم وما تعرضه وسائل الإعلام من مظاهر وسلوكات خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي هو دليل على تسَيُّد الأفكار النرجسِيَّة، وذلك من خلال الاهتمام بالجسد وتقديم الصورة الشهوانية الجسدية (تعرية الجسد والعبث به بعمليات التجميل، التفنن في الإغراء، التنافس في اللياقة) على القيمة الجمالية الروحية للجسد (من خلال الحفاظ على نِعمة الجسد وستره والعناية به) فنلاحظ حضور الجسد بقوة في كل الأنشطة والأفعال مثل استعراضات الجسد عند الشباب عن طريق عروض الأزياء، حيث كانت الموضة وتصميم الأزياء من اهتمامات المرأة، أما اليوم فإعادة تدوير الجسد والاهتمام بجماله أوتغيير شكله بكل الطرق أصبحت من اهتمامات الرجل أيضاً، إذ يتجه الرجل لقاعات التجميل لتنظيف البشرة، وتجميل الجسم، ويبحث كذلك عن الموضة السائدة في اللباس، كما نجده يتفنن في قصَّات وصبغات الشعر، وإن سُئل النرجسي عن هذه السلوكات سيجيبنا بأن سبب ذلك هو حبّه للأناقة وجمال المظهر، وحبّه لذاته أو من أجل زيادة ثقته بنفسه، فلا يجد غرابة في ما ينتهجه وما يسلكه، لأن النفس تشرّبت الفكر النرجسي.

 هكذا أصبحت جوّانية الشخصية النرجسِيَّة هشّة، ورميم تهيم في صحراء المغريات والشهوات، "لو تأملنا قليلاً سنجد أن الحداثة برغبتها في سيطرة الإنسان على العالم وتحقيق الذات الفردية جعلت أحد جبهاتها مقاومة الموت، وذلك بمحاولة علاج بوادر اقترابه ومحو آثار العمر، وقامت صناعات كاملة على ذلك؛ من صناعات التجميل، ثم طب التجميل العابر للتخصصات (الجراحة والأسنان والجلدية)، والرياضة التي تحوَّلَت بدورها إلى صناعة ضخمة بمنتجاتها الميكانيكية والدوائية والمكانية، والمنتجات المقترنة لها للاستخدام اليومي، وليس في التجمُّل بأس، ولا في الرياضة مشكلة، إنما البأس والمشكلة في أن يتحوَّلا إلى هَوَسٍ يُنْكِرُ دورة الحياة الإنسانية، ويجعل مهمته مواجهة زحف الموت بأي ثمن-كما كتب جون غراي- .. حتى لو كان الثمن الإنسانية نفسها"[7]

    كذلك من مظاهر الأفعال النرجسِيَّة الجديدة عند الشباب أن نجد تزايد مشاهد الرقص والتمثيل التافه والفارغ من المعاني في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذا عرض الصور المغرية بقوة مع غياب المحتوى والقيمة في كل عمل يقدم، كل هذا من أجل الحديث عن "الأنا"، وإبراز صورتها وفق نموذج دعابي، أو وفق نظام التفاهة والمتعة بحجة الحرية والاستقلالية والعفوية لتوسيع الأهواء الفردانية، لذا غابت القِيَم مثل الالتزام والواجب والعفة والحياء، لأن "الأنا" طغت وتعالت على المنظومة الأخلاقية، فالذات انحطت إلى لعبة تافهة بسبب زحف الأنا نحو المتعية والا ستهلاكية، "هناك نرجسية جديدة لدى الشباب تتمثل في كونهم أكثر انشغالاً بأن يتكهربوا ويستشعروا أجسادهم عبر الرقص من كونهم منشغلين بالتواصل مع الآخر...إن كل هذا الترف من الاستعراضات ليس هدفه في الحقيقة هو أن يحظى بالمشاهدة والإعجاب، وإنما الهدف هو الإنفجار والنسيان والإحساس، يُعد المذهل شرطاً للنرجسية، وتُعَد فخامة الخارج شرطاً من أجل استثمار الداخل"[8].

   لأن الأعمال التي تكون نقطة إنطلاقها من دائرة الغريزة والشهوة (الأنانية وعشق الذات والعُجب، نظرة الكِبر والغرور..) التي تنبعث منها رائحة الإعجاب سيكون حتما مآلها الفناء، فالأعمال التي تكون لغير الله وتبقى تتغنى بالإعجاب للأنا والشعور بالفخر والكِبر فإن نهايتها ستكون ﴿ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖ ، فلم تُبقي لها أثر ولا ذِكر أية فكرة حية عنها، بل تمسح آثارها تدريجياً من الذاكرة الاجتماعية والتاريخية، كذلك تمحي أهواء الإعجاب أعمال النرجسي، لأن روح هذه الأعمال لا تعرج إلى المعاني الروحية الخالدة (الإخلاص، والصدق، والصفاء، والنيّة الصالحة..)

_ 3 _ منهج التزكية علاج فعّال للإنسان البرغماتي والنرجسي:

   لعلاج الشخصية النرجسِيَّة المريضة والمتمركزة حول الأنا لابد من انتهاج رياضة النفس بتفعيل مبدأ التزكية، لأن التزكية مفهوم تربوي متكامل وجامع بين النظر والعمل، فلا يمكن اختزاله في الحقل المفهومي النظري حول دراسة النفس الإنسانية، بل نجد فعل التزكية منهجاً متكاملاً جامعاً بين عناصر الجسم والعقل والروح من أجل بناء الشخصية الإسلامية الفردية والجماعية، ولترقية النفس الإنسانية وتطهيرها من مذموم الأوصاف، وكذا تزكية العلاقات الاجتماعية بتنمية روح التعاون والمحبة والتكافل، لذا "لا بد من الإشارة إلى الخطأ الشائع وهو الاعتقاد بأن التزكية عبارة عن إصلاح الباطن، وزاد الاعتقاد رسوخاً إسناد نعت الروحي لها، على اعتبار أن هذا النعت لا يَصْدُقُ إلا على الباطن، وليس الأمر كذلك، إذ هي إصلاح كلية الإنسان في تفاعل باطنه مع ظاهره، فكما أن إصلاح أحوال الباطن يؤثِّر في أوصاف الظاهر، فتنصلح هذه الأوصاف، فكذلك إصلاح أوصاف الظاهر يؤثر في أحوال الباطن، فتنصلح هذه الأحوال، ولا يُقال إن التزكية أضيفت في القرآن إلى النفس في قوله تعالى ﴿وَنَفس وَمَا سَوَّىٰهَا﴾ [الشمس: 7]، والنفس إنما هي أمر باطن، لأن الجواب هو أن النفس معناها في هذه الآية هو الذات باعتبار بواعثها، والذات هي الماهية، وماهية الإنسان ليست عنصراً جزئياً منه، وإنما هي عبارة عن كُلِّيَّتِه[9]، فالتزكية موضوعها الإنسان الـمُستَخْلَف "وهو موضوع الإصلاح في الواقع الإنساني، إصلاح الفرد والجماعة والأمة، والإنسان مادة وروح، والتزكية تشمل المادة والروح، وأيّ حديث عن قضايا الإصلاح لا معنى له إلا إذا تعلق بالإنسان، واستهدف ترقيته في مراتب التزكية، والتزكية هدف العمران ووسيلته في الآن نفسه، فهي ليست مسألة مشاعر وخلجات وخواطر نفسية، مقصورة على مستوى الإصلاح الفردي، بل تدخل في صميم البناء الاجتماعي والعمران البشري"[10]، فتكون التزكية بالإيمان والعمل الصالح لقوله تعالى" ﴿6 وَنَفس وَمَا سَوَّىٰهَا 7 فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَىٰهَا 8 قَدۡ أَفلَحَ مَن زَكَّىٰهَا 9 [الشمس:10]،  فتحَقُّق التزكية بالابتعاد عن الآثام، والإكثار من الأعمال الصالحة، "وفي المقابل يخسر ويخيب من تحقق بالتدسية: وهي الحالة التي يتصف صاحبها بالخصائص التي تحول بينه وبين فعل الصالحات، وحرمانها من الترقي والزيادة في الخير، والسمو بالنفس، والنفس الإنسانية التي يتحقق لها الفلاح بالتزكية، وتُلقى في مهاوي الخيبة والخسران بالتدسية، هي الذات الإنسانية جسماً وعقلاً وروحاً، وهي الفرد الإنساني والجماعة الإنسانية، وللنفس الإنسانية مال تمتلكه بتفويض من مالكه الأصلي، وهو الله سبحانه، ولها بيئة مَكَّنَ الله للإنسان فيها واستخلفه عليها، ليُسَخِّر أشياءَها وأحداثَها وظواهرَها في الإعمار، والبناء الحضاري، ولكن محور التزكية في كل ذلك هو الوجدان الإنساني الذي يكون موضوعاً للترقية والتربية والتنمية"[11].

   فتزكية النفس هي تطهير للنفس، وتطهير الضمير والجوارح، "فكل صور الصلاح والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، وإقامة العدل، والإسهام في تنمية المجتمع والأمة، والجهاد في سبيل الله، أمور إيجابية إذا حُبِّبَت إلى النفس، زكَّتها ورقَّتها وطهّرتها، وارتفعت بها إلى التقوى والفلاح، وفي المقابل فإن كل صور الفساد، وفعل المنكرات أو إشاعته، والبخل بالنفس، والشح بالمال، وقطع الأرحام، واركاب الظلم، والتقاعس على إتقان العمل والقيام بالواجب، وتضييع الحقوق، وإهمال الواجبات، كل ذلك أمور سلبية، إذا أدركت النفس قبحها، والتزمت بتجنّبها، كان ذلك مدعاة لتزكية النفس وترقيتها وتطهيرها، ويرد لفظ التزكية في القرآن الكريم بمعنى التطهير والترقية للمشاعر النفسية وللعلاقات الاجتماعية"[12]، ففعل التطهير هنا يشمل الجوارح والسلوك، فهو منهج يغيّر سلوك الفرد وتفكيره.

   والتزكية ليست هي التربية على المفاهيم الأخلاقية النظرية المجردة؛ أي تربية مفهومية، بل التزكية هي مفهوم تعاملي عملي واقعي، لأن التزكية هي تزكية للأقوال والأفعال، وهي "عبارة عن تخليق الأعمال والأفكار بواسطة الأخذ عن القدوات الحسنة"[13]، ويكون ذلك بالاتصال التزكوي، وحصول اللقاء بين ذوات القدوات الحسنة وذوات المقتدين بهم،" ولما كانت التزكية في أصلها معنى تواثقياً، فقد اقتضت حصول الاتصال بين القدوة الحسنة والمقتدين بها في أعمالهم أو أفكارهم، وهذا يعني أن الاتصال المشروط في التزكية يتأسَّس على الاتصال الميثاقي، والاتصال الميثاقي الأول، كما مضىى، هو الاتصال الإشهادي، وقد اختص بكون قلوب أو قل عقول بني آدم حضرت فيه، واعية عن ربِّها سؤاله، ولا حضور بغير اتصال، بل اختص هذا الاتصال الأوَّل بكونه أنشأ - بفضل ما عقلوه عن ربهم من كمالات -  فِطرَهم الخاصة التي وُلِدوا بها، ولا إنشاء بغير مباشرة، ولا مباشرة بغير اتصال ...وهكذا يكون الحضور التزكوي موروثاً عن الحضور العقلي الاشهادي، كما تكون التنشئة التزكوية موروثة عن الإنشاء الفطري الإشهادي"[14]، فالاقتداء هو أساس التدين، والاقتداء ليس الذي صاغه التصوُّر الفقهي، لأن هذا الأخير اختزله في أخذ النصوص والأقوال المنصوصة، لذا التزكية هي انتقال من التسديد إلى التأييد لتثبت علاقة القيمة بالواقع، "ويتحقق الصلاح للإنسان والعالَم بموجب إيمان الإنسان بوحدانية التزكية الإلهية، مقتدياً بالمرسلين الذين جاءت بياناتهم القولِيَّة والعملِيَّة موافقة لفطرته، ومتبيّناً، بفضل هذه الموافقة، ما لِذاته من حقوق وما عليها، من واجبات نحو باقي الكائنات"[15].

 

 

[1] جيل ليبوفتسكي، عصر الفراغ،مرجع سابق، ص57.

[2] المرجع نفسه،ص58.

[3] عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر:سيرة ذاتية غير موضوعية،شركة الأمل للطباعة والنشر،القاهرة،ط1، 2001، ص49-52.

[4] زيغمونت باومان، الشر السائل: العيش مع اللابديل، تر:حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر،بيروت،ط1، 2018،ص 32.

[5] جيل ليبوفتسكي، عصر الفراغ، مرجع سابق، ص64-65.

[6] المرجع نفسه، ص66.

[7] زيغمونت باومن،الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية،تر: حجاج أبو جبر،الشبكة العربية للأبحاث والنشر،بيروت،ط1، 2016، ص 17.

[8] جيل ليبوفتسكي،عصر الفراغ، مرجع سابق، ص176.

[9] طه عبد الرحمن،التأسيس الائتماني لعلم المقاصد، مرجع سابق، ص343.

[10] فتحي حسن الملكاوي، منظومة القيم العليا، التوحيد والتزكية والعمران، أمريكا المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2013،ص81.

[11] المرجع السابق، ص83.

[12] فتحي حسن الملكاوي، منظومة القيم العليا، التوحيد والتزكية والعمران، مرجع سابق،ـ ص 85.

[13] طه عبد الرحمن، المفاهيم الأخلاقية بين الائتمانية والعلمانية، المفاهيم الائتمانية،ج 1، مركز نهوض للدراسات والبحوث،بيروت،ط1، 2021،ص 199

[14] المرجع نفسه،ص ص199-200.

[15] المرجع نفسه، ص229.

رمضان وقيم الحياة الرشيدة وإنسان العصر الرقمي اعرف نفسك