لا ترم السنارة بعيدا بحثا عن السمكة

التصنيف

المقالات

التاريخ

28/06/2024

عدد المشاهدات

250

الملف

تصفح ملف PDF

الملايين من الشباب العربي لديه أعلى الشهادات، ولكنه لا يجد فرصة عملٍ، وإن وجدها قيل له: أين الخبرة؟ وكيف يتحصَّل على الخبرة وهو لا يجد العمل!

يسقط الشباب في الحيرة والقلق؛ حيث الانتظار الطويل بدون نتيجةٍ، ويفكّر في كل سبل الهرب من مجتمعه إلى بلاد الله الواسعة بحثاً عن الرزق، هذا لمن استطاع، والباقي يبقى أسير واقعه.

يتصل بعض الشباب يسأل: ماذا أفعل؟ عندي كل الشهادات بتفوّقٍ من الابتدائي إلى الدكتوراه… ولكني عاجز عن إيجاد وظيفة!

ويصل بعضهم إلى طلب أيّ وظيفةٍ دون اشتراط ما يتناسب مع شهاداته ومستواه العلمي، فقط يحتاج لما يستر به نفسه.. وحتى هذا يكون عزيزاً في أغلب الأحيان.

هذه الظاهرة بقدر ما هي مؤلمةٌ تحتاج إلى تفكيرٍ مليٍّ من كل المعنيّين، وتحتاج إلى رفع واقع المجتمعات وسبل علاجٍ جديدةٍ.

ولا ينفع هنا كيل التهم للحكومات ومطالبتها بالتدخّل، فقد جفَّت الأقلام في هذا النداء، وهناك جهودٌ تُبذل في إطار التعليم المهني على ضعفها، أو في فتح أفقٍ للمشاريع التجارية الصغيرة وإسنادها.. لكن ذلك لا يحلّ المشكلة.

إن سؤال الشباب ليس عمَّا يجب أن يكون، ولكن: ماذا يفعل الآن وحالاً ليستطيع أن يتنفس وأن يستر نفسه ويجد مأوىً وطعاماً وكسوةً.. إلخ، له ولِمَن يُعيل؟

الحياة تقدّم لنا فرصاً صغيرةً؛ كمطبخ البيت، أو مساكن بعيدة عن أسواق البيع، أو والدةٍ تُحسن الطبخ، أو عربةٍ صغيرةٍ تصلح كمسطح بيعٍ، أو قريبٍ يعمل في حرفةٍ يدويةٍ، أو قدرةٍ على بناء علاقاتٍ اجتماعيةٍ، أو مهارة قيادة دراجةٍ ناريةٍ أو.. إلخ، شيء ما نغفل عن قيمته؛ لأننا لا نتخيل أنفسنا إلا في قالب الموظف.

الناس تعرض علينا قصصاً للنجاح؛ مثل: "بل جيتس"، و"ستيف جوبس"، وغيرهم.. والشباب يعلم أنَّ هؤلاء كانوا في أفضل الجامعات، بما توفِّره المجتمعات الرأسمالية من فرصٍ للمبدعين.. ولكنَّ واقعنا، الناس فيه تبحث عمَّا يصون كرامتهم ابتداءً.. هو واقعٌ مختلفٌ.

حين نفكّر في قصص النجاح في مجتمعاتنا المختلفة، نجد آلاف القصص للبدايات المحرِقة والنهايات المشرِقة لأناسٍ نهضوا من قاع الفقر إلى السعة والحياة المستقرة. وتلحظ أمراً مشتركاً في هؤلاء الناجين من خط الفقر، وهو قدرتهم على تغيير مسار التفكير من البحث عن الوظيفة إلى التقاط الفرصة الصغيرة.

ثم يأتي العمل الشاقّ واكتساب المهارة والخبرة وتطوير الذات كمستلزماتٍ للنجاح.

‏هذا شابٌّ في كلية التجارة في السنة الأخيرة، تعرّفت عليه أثناء بحثي عن سبَّاك لإصلاح سخَّانٍ في السبعينات، فوجدته في غاية الأناقة، لم أصدّق أنه سبّاكٌ، ولكنه قام بالعمل بدقَّةٍ متناهيةٍ.. فجلست للتحدّث معه! أخْبرني بأنّ والده من طبقةٍ فقيرةٍ، وأنه رغم حرصه على تعليمه، ألحقه بقريبٍ يعمل في مهنة السباكة، فتعلَّم الصنعة منه، ولاحظ أنّ معظم المنازل التي يزورها، تحتوي سخانات قديمة لا تتوفر لها قطع غيار.. فكَّر في أنه لو جمع ما يُرمى منها، وقام بفكّها، ستتوفر له قطع الغيار.. يقول: هكذا بدأت بتكوين عملي.. واخترت كلية التجارة حتى أعرف كيف أدير عملي.. هكذا خرج من دائرة الانتظار إلى دائرة الفاعلية.

تكثر عندي قصص هؤلاء ممَّن صادفتُهم في مختلف المهن ومن مختلف الخلفيات، جمعهم أنهم خرجوا من خط الفقر نتيجة تغيير نمط التفكير.

لا تقدّم لنا الحياة ما نريد، ولكن حين نقبَل ما تقدّمه، نستطيع تحويله إلى ما نريد.

إنسان الانتظار ينتظر من يصنع له الفرصة، وإنسان الفاعلية يغيّر من أنماط تفكيره ليصنع فرصته.. وبدون  هذا التغيير، ستبقى طوابير الانتظار في زيادة.

فرصةٌ ممَّا هو حولك، وتعليم مهني صغير، ومعرفة بسيطة بحساب الربح والخسارة، ثم صبر على البدايات.. وفشل ونجاح.. وتوفيق الله من قبل ومن بعد.

‏الخلاصة:

لا ترمِ السنَّارة بعيداً بحثاً عن السمكة، فربّما يسبح السمك تحت قدميك وأنت تبحث عنه بعيداً!

الإنسان بروحه الإيجابية رأسمال الخروج من أزماته دعه يعبد دعه يعمل