الطاقة الأخلاقية الفائقة أو التوتر الأخلاقي في فلسفة مالك بن نبي

التصنيف

المقالات

التاريخ

16/02/2024

عدد المشاهدات

864

الملخص:

تهدف هذه الورقة البحثية إلى الإبانة عن الإنجاز الفكري الجزائري الفعّال عند مالك بن نبي، وقراءة رسالته الأخلاقية الفكرية التي قدمها في مشروعه الفكري المتكامل؛ الذي شَمل الفكر والاقتصاد والدين والسياسة وعلم الإجتماع، فكان مفتاح باب مشروعه الحضاري هو "سؤال القيم" لبناء مجتمع فاعل ومتحضر، وفق منظومة معرفية قيمية من روح الدين الإسلامي، وذلك ابتداء من تأملاته لمركب الإنسان (عقلاً وروحاً وواقعاً)، فكان مرام مشروعه هو صياغة الشخصية الإسلامية المتكاملة حتى تفي بصورة موحدة بمسؤوليات المسلم في العالم، ولم تكن فكرته وكلمته صامتة وشاردة، بل كانت تنبض من دائرة الفعل منجزة وفاعلة، وأقوم دليل على هذا هو نجاح وتميّز الدول التي انتهجت روح مشروعه الفكري الحضاري، فكان مرامنا من خلال هذه الورقة البحثية المتواضعة أن ننتبصّر في المسالك والخرائط الفكرية التي كانت وراء هذا الوعي الفكري والأخلاقي الفاعل، ومعرفة "البراديغم القيمي" ومسوغاته التي كان وراء هذا الإشعاع الفكري، ومن ثمرات هذه الدراسة يمكن القول إنه من اللازم أن نبدأ بتغيير أنفسنا؛ وذلك بأن نتحرر من الطاقة السلبية التي استعمرت قلوبنا، ونُعدّل سلوكنا بتثوير أرواحنا بالقيم الأخلاقية العملية، والتفكّر الدائم في إحياء التوتر الداخلي.

الكلمات المفتاحية: "التوتر الأخلاقي"، "الفاعلية" ،"الشخصية المتكاملة"، "البراديغم القيمي"، "مالك بن نبي".

مقدمة:

 إن سؤال القِيَم عند مالك بن نبي ليس سؤالاً ثابتاً وساكناً في نصوصه، بل هو سؤال نقدي ثوري في مشروعه النهضوي الحضاري، لأن القيم هي مصدر الطاقة الروحانية والمعاني العليا والروح الدافعة في الإنسان لبناء الفكر والحضارة، لذا رسم لنا مالك بن نبي معالم للتبشير بالإنسان الجديد والإنسان الفاعل، لا الإنسان المستعمر الذي لا يزال يرتكن للأفكار المميتة، ويبقى مقلداً كالبهيمة التي تنقاد، بل كانت نصوص مالك بن نبي نابضة بروح الإرادة والعمل والقيم لتحطيم أصنام الجهل والتقليد والتبعية والحياة الساكنة، لأن من دون القيم تتفسخ الحضارة، ويبقى المجتمع في مرحلة الطفولة حيث تسيطر عليه العقلية الشيئية، وتصبح الأفكار جامدة فاقدة لإشعاعها الروحي والأخلاقي، لذا فَقَدْ عالج مشكلة الشلل الأخلاقي الذي كان سبباً في جمود التفكير الإسلامي، وفي مقولته المشهورة : "إنّ التقليد الخُلقي يقتضي التخلي عن الجهد الفكري حتماً، أي عن الاجتهاد للفكر الإسلامي في عصره الذهبي"، لذا كانت نقطة ارتكاز مشروعه هي تجديد الطاقة الأخلاقية بمنطق الفاعلية والتكامل بين الفكر والعمل، فمعنى القيم عند مالك بن نبي هي القيم الحاكمة لشروط النهضة، وهي وجهة العالم الإسلامي، والنقطة الفاصلة بين الرشاد والتيه، وأنوارها مقتبسة من الظاهرة القرآنية، إذن بالحري أن نتفحص حكمته وأقواله، فقد كانت كلماته شعلات الجمر المضيئة، فشقّت كالمحراث في الجموع النائمة طريقها لتوقظ العقل والقلب نحو التجديد والتثوير، ومن هنا لا بد من أن نطرح إشكالية هذه الورقة البحثية كالتالي :

ما هي مسوّغات وركائز الطاقة الأخلاقية عند مالك بن نبي؟ وما هي الطرائق المنهجية والأخلاقية لتكوين الإنسان الأخلاقي الفاعل؟

1- مفهوم التوتر الأخلاقي عند مالك بن نبي :

 يقدم مالك بن نبي في مشروعه الفكري الإسلامي النهضوي مفهوم جديد وهو مفهوم "التوتر الأخلاقي"، إذن لا بد أن نتأمل أولاً في هذا المفهوم الجديد، ونتبيّن مقاصده، وما مسوغاته القيمية لبناء الإنسان المتكامل. يعرّف مالك بن نبي مفهوم "التوتر الأخلاقي" بأنه هو الذي يشمل طاقة القلب والعقل واليد، وهو أساس الفاعلية عند مالك بن نبي؛ لأن من بذور التور الأخلاقي يثمر التوتر الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع، ومن دون هذا التوتر الأخلاقي لن تكون فاعلية الإنسان ولا فاعلية المجتمع، يقول مالك بن نبي "إذ التاريخ قائمة إحصائية لحركات القدم والعقل واليد والقلب، إنه إحصائية لنبضات القلب وحركات اليد ومواهب العقل، لكن هذا التوتر يختلف من مجتمع إلى آخر، فنرى أن صورة الحياة لا تسير على نموذج واحد، فحركة اليد والقدم تختلف في عصر واحد من مجتمع إلى آخر، كما تختلف في مجتمع واحد من عصر إلى آخر " (بن نبي،2019،ص39).

 فالتوتر الأخلاقي مصدره من التوتر في الضمير النابع من القلب الحي، ليبث شعاعه بعد ذلك نحو طاقات العقل واليد، ويمدنا مالك بن نبي عن نماذج كثيرة التي كانت فاعلة ومعبرة عن هذا التوتر الأخلاقي، خاصة حينما جاء الإسلام، إذ أتى بالمسوغات الدافعة لليد والعقل والقلب، واستطاع أن يخلق حضارة خلال نصف قرن.

 ومن الشخصيات التي ذكرها مالك بن نبي، والتي حملت في قلبها هذا التوتر الأخلاقي نجد" المرأة ذات الضمير الممتلئ توتراً، حينما تأتي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وتطالب بإقامة حد الزنا عليها على الرغم من الخفاء الذي أحاط بعملها، فأبى توترها إلا أن يلح في المطالبة بالحد بإصرار عجيب، فصدَّها النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت حاملاً، وقال لها : "حتى تضعي حملك"، ولما وضعت حَمْلَهَا عادت إليه مطالبةً بإقامة الحد لاتصال اليقظة في الضمير والتوتر في القلب بعمق أصيل، حتى أُقيم عليها الحد، وخلدت هكذا ذكرى امرأة أعطت في مجتمع ناشئ صورة توتر الضمير ، والمجتمع العربي نفسه لم يكن يفهم معنى هذا التوتر بكل وضوح، ويبدو هذا فيما أبداه الأفراد إزاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على جثمان تلك المرأة بعد حدّها، حتى أجابها الرسول بما معناه '' لقد تابت توبةً لو وُزِّعَت على أهل المدينة لوسعتهم'' "(بن نبي،2019،ص41).

 فالتوتر الأخلاقي هو الذي يحرك الطاقات الاجتماعية، ويوجه الإنسان للارتقاء نحو مستوى أعلى من مستوى الحيوان، وهو التوتر الحيوي الدافع إلى مهام الحياة بقوة، الذي يصنع المعجزات التي تغير مسار حياة الإنسان، لأن القيم الأخلاقية هي التي تشحذ همة الإنسان وترفع كيانه في المجتمعات، كما يدلل لنا بمظهر من مظاهر هذه الطاقة الأخلاقية الفائقة من التاريخ الذي يُشِّعُ بقيم الشجاعة والصفاء الداخلي، ومثال ذلك واقعة عبد الحميد بن باديس، حين حاول أحد المجرمين المدفوعين من قبل الاستعمار، حيث كان ذا غلظة وفضاضة وضخامة جسم، فأراد أن يغتال "بخنجر فضيلة الشيخ عبد الحميد بن باديس المصلح الاجتماعي في ذلك الحين، فأمسك هذا الشيخ بيده النحيلة التي هي أضعف من إصبعي الخنجر حتى أتته النجدة ومنعت المجرم من تنفيذ خطته الإجرامية، فهذا عمل من أعمال اليد في الحالة النفسية التي تكمن وراءها قوة الفاعلية" (بن نبي، 2019،39).

 فإن مصدر هذه الفاعلية الأخلاقية لا بد أن تكون من إصلاح أنفسنا أولاً، لأن "الأسباب التاريخية كلها تصدر عن سلوكاتنا وتنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيال الأشياء، أعني من إرادتنا في تغيير الأشياء تغييراً يحدد بالضبط وظيفتنا الاجتماعية، كما رسمها القرآن الكريم في قوله تعالى ﵟكُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِﵞ [سورة عمران:110]، والمعروف في أعم صوره، والمنكر في أشمل معانيه، يكونان جوهر الأحداث التي تواجهنا يومياً كما يكونان لب التاريخ" (بن نبي، 2019،ص130).

 فأينما وُجدت الفاعلية في العمل أو في المجتمع فإننا سندرك أن وراء ذلك العمل مبدأ أخلاقي فاعل، ويقول مالك بن نبي "ذلك لو حللنا عملاً ما على أنه مركب ومشتمل على دوافع نفسية، فإننا نرى أن هذه الدوافع يبعثها المبدأ الأخلاقي في النفس بعثاً لا يمكن معه أن يتصور هذا العمل من دونها عملاً إرادياً، وهذا العمل يأتي بصورة معينة يحددها ذوق الجمال، وبهذا يتم جزء من فعاليته، كما أن هذا العمل سنجده يؤدي للمصلحة الاجتماعية بقدر ما فيه من المنطق العملي الذي يحدد سرعة إنجازه وبه تمام جزء فعاليته الآخر" (بن نبي،،2019،ص151).

 فالمبدأ الأخلاقي هو الميثاق الغليظ في فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي "فكل حضارة تستلزم رأس مال أولي مكون من الإنسان والتراب والوقت، فهي مركب من هذه العناصر الثلاثة الأساسية، ولا بد من أن يركبها العامل الأخلاقي، أعني يحتم تماسكها، من غير هذا العامل يوشك أن يتمخض العملية عن كومة لا شكل لها، متقلبة عاجزة عن أن تأخذ اتجاهاً، أو تحتفظ به، أو أن تكون لها وجهة، بدلاً من أن تكون (كلاً) محدداً في مبناه، وفيما يهدف إليه" (بن نبي،2009،ص140).

 حيث كان التوتر الاخلاقي الإيجابي مظهراً من مظاهر الحياة الناشئة مع الإسلام، كذلك "نشاهد أثره في سلوك الحاكم حين مطالبته الشعب بأن يقوِّم إعوجاجه ويعدل انحرافه، وفي ذلك اعتراف ضمني بإمكان صدور الاعوجاج عنه، كما نشاهد في سلوك الرعية في شخص ذلك الأعرابي البسيط، االذي يرد على هذا الحاكم بقوله:( لو شهدنا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا)" (نبي،2019،ص41)، كما نجد من مظاهر سلوك التوتر الأخلاقي في حرمان الذات وقطع الشهوات ذلك الموقف للرجلين اللذين اعتزم أحدهما أن يصوم الدهر، وقرر الآخر أن يقوم الليل، فشَكَتَاهُما زَوْجَتَاهُما للرسول صلى الله عليه وسلم فنهاهما عن ذلك ...، ومن شحنة هذا التوتر الأخلاقي القلبي يخلق لنا توتراً آخر من الناحية العلمية، فالمذاهب الأربعة التشريعية "التي لا تخفى قيمتها الاجتماعية تعبر عن إنتاج العقل الإنساني في قمته في عصر التابعين، أو في العصر الذي تسود فيه الحاجة إلى تنظيم المجتمع الذي نشأ في الدعوة والجهاد أيضاً، فكان صورة من صور بناء المجتمع الناشئ، وهو في حالة توتر ونشاط اجتماعي للدفاع عن النفس وعن هذا البناء الداخلي، الذي أخذت معالمه ترسو قواعدها، فالخنساء التي ظلت في الجاهلية تسكب عبراتها على أخيها (صخر) سنين، أصبحت في صورة جديدة فريدة تحمد الله على أن شرفها باستشهاد أبنائها الأربعة في سبيل الدعوة، وهذا يعني انتقال مجتمع كامل من حالة فتور إلى توتر وحركة" (نبي،2019،ص42)، أي أن روح التوتر الأخلاقي تكون نابضةً من طاقة القلب (توتر الضمير) إلى طاقة العقل(الأفكار الحية) ثم إلى طاقة اليد(نحو الصناعة).

 إذن كان النموذج الأخلاقي الإسلامي مع بداية الإسلام آن ذاك في مرحلة الارتقاء الروحي والتوتر الأخلاقي والنشاط الاجتماعي "لأن الإسلام رفع المصلحة أو مسوغات النشاط إلى أعلى مستوى، فجعلها في عالم الآخرين، فالبطولة في الجاهلية كانت تهدف إلى إعلاء شأن الـ(أنا)، لكن الإسلام حوَّل محور البطولة لتجد مسوغاتها في عالم الآخَرين، أي أصبحت تعبر عن اهتمام اسمي، يرتبط بغريزة الـ(نحن) أكثر منه بالـ( أنا)، حتى إنهم ﵟوَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞﵞ [ الحشر:59]،فهذا تعبير كامل على مسوغات البطولة" (نبي، 2019،ص42).

 لهذا كانت المسوغات التي أتى بها الإسلام في حالة توتر خلاّق، وهو التوتر الذي يصنع المعجزات، لكن برأي مالك بن نبي أن الدوافع السلبية التي خلَّفتها معركة صفّين في المجتمع الإسلامي هي سبب أفول الحضارة الإسلامية، وانحراف مسارها، للتتجه إلى طريق الظلمات، فاغتربت روحها، وفقدت مسوغاتها، "فلم تستطع أن تدفع من جديد طاقاتها الاجتماعية، وانطفأت تدريجياً جذوتها الدافعة للضمير واليد والعقل، وأصبحت دوافع الحياة فاترة، وفقدت المصلحة سموها تدريجياً، وهي التي تهدف إليها الطاقات الاجتماعية، حتى أصبحت مسوغات المجتمع الإسلامي "حيوانية"، عليها غلاف من "إنسانية" بسيط، تعبر عنه فلسفة ساذجة أفرغت حكمتها الميتة في العِبارة التي ترددها الجماهير بالشمال الإفريقي، حيث يقول الفرد عندما يُسأل عن مهمة حياته" نأكل القوت وننتظر الموت"، ولا يوجد تعبيرٌ أكثر وضوحاً من هذا التعبير عن مجتمع فقد تماماً مسوغات الوجود" (نبي،2019،ص44)، أما عن "التوتر المرضي السلبي" فهو يدفع الفرد إلى فقد مسوغات وجوده مثل (الإنتحار) .

2-  شروط الفاعلية الأخلاقية:

 فإن جوهر المشكلات حسب مالك بن نبي ليست في حوادثها الخارجية، بل أصولها في أنفسنا، فالقضية ليست في الأدوات ولا الإمكانيات، بل القضية في أنفسنا، فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، والسؤال هنا: ما هي شروط هذه الحركة أو الفاعلية ؟ يجيبنا مالك بن نبي بأنه لا بد من توضيح مفهوم التاريخ أولاً وتغيير نظرتنا إلى التاريخ.

 فالنظرة الأولى التاريخ: أنه مجرد حوادث متعاقبة ونفسره بحكم القضاء والقدر ؛ أي "على أنه من حكم القضاء والقدر، أي من حكم لا يد للإنسان فيه، ولا يسعه أمامه سوى الإذعان ومسايرة الظروف، أو كما يعبر عنه بعضهم "الاستسلام للواقع"، فهذه النظرة تجعلنا نطأطئ الرؤوس أمام الأحداث، لأن جهلنا بأسبابها ونتائجها يؤدي بنا إلى أن نحني لثقلها ظهورنا" (بن نبي، 2019،ص130).

 أما النظرة الثانية للتاريخ لا بد أن ندرك أسباب الأحداث وعللها التاريخية فبقدر ما ندرك "أسبابها ونقيسها بالمقياس الصحيح، نرى فيها مُنَبِّهات لإرادتنا وموجِّهات لنشاطنا، وبقدر ما نكتشف من أسرارها نسيطر عليها بدلاً من أن تسيطر علينا، فنوجهها نحن ولا توجهنا هي، لأننا حينئذٍ نعلم أن الأسباب التاريخية كلها تصدر عن سلوكنا وتنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيال الأشياء، أعني من إرادتنا في تغيير الأشياء تغييراً يحدد بالضبط وظيفتنا الإجتماعية، كما رسمها القرآن الكريم في قوله تعالى ﵟكُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِﵞ [ عمران:3/110]، المعروف والمنكر في أعم معانيهما: هما جوهر الأحداث التاريخية ولب التاريخه .

 2- 1- فعالية الفكرة الدينية : انطلاق الحضارة هو مبدأ الفكرة الدينية،الفكرة الدينية هي المركب والقوة الفعالة في معادلة : ( الحضارة =الإنسان+التراب + الوقت)، يقول مالك بن نبي إن الحضارة ما هي إلا نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ، لأن الحضارة كما يُعَرِّفُها مالك بن نبي" هي جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفّر لكل عضو فيه جميع الضمانات الإجتماعية اللازمة لتطوّره" (نبي،2002،ص42)، أو جملة القيم الأخلاقية والمادية الضرورية لصناعة حضارة، فبدخول الإنسان للحضارة يتحرر عقله ويعطي لحياته معنى، لذا "فميلاد الحضارة هو عملٌ جاد وكدحٌ مستمر توجِّه فيه الشعوب طاقاتها الإجتماعية نحو أهدافها الواقعية، وتكون مسدَّدَة بعنصر غيبي، بوجه عام، كأنما قُدّر للإنسان، بنظر مالك بن نبي، ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى م اوراء حياته الأرضية أو بعيداً عن حقبته، إذ حينما يكتشف حقيقة حياته الكاملة، يكتشف معها أسمى معاني الأشياء التي تهيمن عليها عبقرياته وتتفاعل معها" (بن نبي،2011،ص50)، وتنتهي الحضارة لما تفقد معنى الإنسان، ولما يغلب طابع التكديس في حضارة ما لتنحدر نحو الشيئية والفراغ الروحي.

 لذا ركز مالك بن نبي أن منطلق الحضارة هو "الفكرة الدينية"، فكان تحليله للتجربة الإسلامية والمسيحية على أن الحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية؛ "فالإنسان والتراب والوقت مواد راكدة تبعث فيها الروح الفكرة الدينية كما حصل في وادي الأردن أو في غار حراء، فمنذ تلك اللحظة وثبت قبائل شتات وشكَّلَت وحدة متناسقة، ورحلت إلى التاريخ بفعل فكرة دينية دافعة استوطنت قلوب أناس بسطاء ما زالت تؤطرهم البداوة، فغمرتهم الروح وتراءت لهم الأنوار، فانطلقوا يبنون الحضارة ويقودون العالم إلى التقدم والرقي، فبناء الحضارة وتحقيق النهضة يتم عبر تركيب الكتلة المخصبة من الإنسان والتراب والوقت في لحظة تسود فيها الروح" (بن نبي،2011،ص69).فالروح حسب مالك بن نبي هي شعور قوي في الإنسان تصدر عنه مخترعاته وتصوراته وتبليغه لرسالته وقدرته الخفية على إدراك الأشياء، لذا تبدأ الحضارة حلقتها الأولى بظهور الفكرة الدينية، ثم يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض عليها بعد أن تفقد الروح ثم العقل، لتدخل بعد ذلك مرحلة الأفول والسقوط لأن الروح وهنت وخمدت،" فعامل الدين هو الذي يجعل الإنسان يشعر بثروته الخالدة، ويمنح نفسه مبدأ الشعور دون تنازل عن جوهر حياته الاجتماعية، فالإنسان والتراب والوقت هم المادة الأولية للحضارة" (بن نبي، 2011،ص71)، لكن لما تفقد الروح نفوذها على الغرائز، وانخفاض مستوى الأخلاق في المجتمع، وتنقص فعالية الاجتماعية للفكرة الدينية، تدخل الحضارة منعطف العقل لتبدأ حلقة الغريزة في الظهور، والسر الكوني والمركب الذي يركب معادلة الحضارة هي الفكرة الدينية وهي القوة الفعّالة في التاريخ.

2- 2- القيام بالواجب لا المطالبة بالحقوق : نيل الحقوق نتيجة حتمية للقيام بالواجب،"إن التاريخ لا يبدأ من مرحلة الحقوق، بل من مرحلة الواجبات المتواضعة في أبسط معنى للكلمة، الواجبات الخاصة بكل يوم، بكل ساعة، بكل دقيقة، لا في معناها المعقَّد، كما يُعقِّدَهُ عن قصد أولئك الذين يعطِّلون جهود البناء اليومي بكلمات جوفاء، وشعارات كاذبة يعطِّلون بها التاريخ، بدعوى أنهم ينتظرون الساعات الخطيرة والمعجزات الكبيرة" (بن نبي،2006،ص78).

 2- 3- المنطق العملي : من شروط الفاعلية الأخلاقية لا بد من توفُّر فلسفة الفعل، أو بمفهومه المنطق العملي لا المنطق المجرد، فيقول "إن النقص الذي يعاني منه المسلم ليس منطق الأفكار ، وإنما هو منطق العمل والحركة، فهو لايفكر ليعمل، بل ليقول كلاماً مجرداً، بل أكثر من ذلك، فهو أحياناً يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً، ويقولون كلاماً منطقياً من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط" (نبي،2011،ص134).

2- 4- الذوق الجمالي: الجمال له تأثير في الروح الاجتماعية، لأنه يحرك الهمم إلى ما هو أبعد من مجرد المصلحة. يقول " فالبذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد يجد الإنسان في نفسه نزوعاً إلى الإحسان في العمل، وتَوَخِّياً من العادات" (بن نبي، 2011،ص127).

للجمال أهمية اجتماعية وأخلاقية، وهو وجه الحضارة، ومرآة نفوسنا وبيوتنا كما يقول مالك بن نبي:  "الجمال هو وجه الوطن في العالم، فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا". ولا بد أن نبيّن أن الجمال ليس الجمال الظاهري فقط، بل الأهم والأبقى هو الجمال الباطني، ولأنه مصدر الطاقة الأخلاقية والعملية، لذا يقول ابن قيم الجوزية " فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محلّ نظر الله من عبده وموضع محبته، وهذا الجمال الباطن يزيِّن الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال، فتكسو صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة، بحسب ما اكتسحت روحه من تلك الصفات" (الجوزية،2013،ص133).

3- دور التوتر الأخلاقي في رسم معالم الإنسان المتكامل برؤية مالك بن نبي:

 تتجلى فلسفة الإنسان المتكامل عند مالك بن نبي في "الإنسان العقدي" انطلاقاً من أساس غيبي، وبناء تصوره من خلال تأمله للآية الكريمة ﵟوَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵐﵓﵜ ، فالإسلام "يمنح الإنسان قيمة تفوق كل قيمة سياسية أو اجتماعية،لأنها القيمة التي يمنحها له الله في القرآن في قوله ﵟوَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَﵞ ﵝالإِسۡرَاء : ﵐﵗﵜ فهذا التكريم يكون – أكثر من الحقوق أو الضمانات- الشرط الأساسي للتعبير اللازم في نفس الفرد، طبقا للشعور الديمقرطي سواء بالنسبة إلى الأنا أم بالنسبة إلى الآخرين، والآية التي تنص على هذا التكريم تبدو كأنها نزلت لتصدير دستور ديمقراطي يمتاز عن كل النماذج الديمقراطية الأخرى، دون أن تعبر عنه نصوص قانونية محددة، فنظرة النموذج الإسلامي إلى الإنسان، هي نظرة إلى الجانب اللاهوتي فيه، بينما النماذج الأخرى تمنحه النظرة إلى الجانب الناسوتي والجانب الإجتماعي، فالتقويم الإسلامي يفضي على الإنسان شيئاً من القداسة، ترفع قيمته فوق كل قيمة تعطيها له النماذج المدنية" (نبي، 2019،ص17)، ففلسفة الإنسان في الإسلام لا تفصل مفهوم الإنسان عن الأساس الغيبي، لذا "إن الإنسان ليس في نظر المسلم (الكم) الذي تجري عليه الاحصائية والوزن، أي الشيء الذي تجري عليه تجارب المختبر، وعمليات المصنع، وحاجات الجيش، فالإنسان ليس (الكم) بل (الصفة) التي قرنها الله بالتكريم في سلالة آدم، فالمسلم يُكْرِم هذه الصفة بصورة مطلقة، وكما هو منتظر فإن هذا التكريم له آثاره المحسوسة في الحياة : في التشريع وفي الآداب وفي العادات..." (نبي،2006،ص164).

 فالإسلام هو الذي وضع في نفسية المسلم هذه الرؤية للعالم التي بنيتها وأساسها الفكرة الدينية والروح الأخلاقية السامية، وهذا التكريم الذي منحه الإسلام للإنسان هو في الحقيقة تقدير في نفس الإنسان وتقدير للآخرين، فكل الدوافع السلبية والغرائز الهائمة تصمت أمام قوة الروح الدينية " ثم إن الإسلام الذي وضع في نفسية المسلم هذا التوجيه العام، قد وضع عن طريقه –يميناً وشمالاً- حاجزين، كي لا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد، وهذان الحاجزان مذكوران بالإشارة إلى آيتين تذكر الواحدة الهاوية ذات اليمين والأخرى تذكر الهاوية ذات الشمال، فيقول عز وجل ﵟتِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣ﵞ ﵝالقَصَص : ﵓﵘﵜ ، فهذا الحاجز وُضِعَ بكل وضوح على حافة الاستعباد حتى لا يقع فيه المسلم، أما الحاجز الآخر الذي يحفظه من هاوية العبودية فهو مذكور في قوله عزوجل" ﵟإِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨ فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩ﵞ ﵝالنِّسَاء : ﵗﵙ - ﵙﵙﵜ.

 والتاريخ حسب مالك بن نبي يبدأ "بالإنسان المتكامل الذي يطابق دائماً بين جهده وبين مثله الأعلى وحاجاته الأساسية، والذي يؤدي في المجتمع رسالته المزدوجة بوصفه ممثلاً وشاهداً، وينتهي التاريخ بالإنسان المتحلل؛ بالجزء المحروم من قوة الجاذبية، بالفرد الذي يعيش في مجتمع منحل، لم يعد يقدم لوجوده أساساً روحياً أو أساساً مادياً، فليس أمامه حينئذ إلا أن يفر إلى صوامع المرابطين، أو إلى أي مستقر آخر، وهذا الفرار صورة فردية للتمزق الاجتماعي" (بن نبي، 2002،ص164)، فالإنسان المريض والمتحلل هو الإنسان المُسْتَعْمَر، الإنسان الذي أصابه داء القابلية للاستعمار وضعفت فيه الطاقة الأخلاقية .

 يقول مالك بن نبي عندما نرد الفرد عند نقطة الصفر (الفطرة) مع جميع غرائزه "فالفرد في هذه الحالة ليس أساسه إلا الإنسان الطبيعي أو الفطري، غير أن الفكرة الدينية سوف تتولى إخضاع غرائزه إلى عملية شرطية تمثل ما يصطلح عليه علم النفس الفرويدي بـ"الكبت"، وهذه العملية الشرطية ليس من شأنها القضاء على الغرائز، ولكنها تتولى تنظيمها في علاقة وظيفية مع مقتضيات الفكرة الدينية: فالحيوية الحيوانية التي تمثلها الغرائز بصورة محسوسة، لم تُلغَ ولكنها انضبطت بقواعد نظام معين، وفي هذه الحالة يتحرر الفرد جزئياً من قانون الطبيعة المفطور في جسده، ويخضع وجوده في كلِّيَّته إلى المقتضيات الروحية التي طبعتها الفكرة الدينية في نفسه ". (بن نبي، 2011،ص96) فهذا القانون هو الذي كان يحكم بلال وهو تحت سوط العذاب وقوله: "أحد...أحد"، ولم يكن صوته صوت عقل أو صوت غريزة، بل كانت صيحة الروح التي تحررت من غرائزها بعدما سيطرت العقيدة عليها في ذاتية بلال.

 فالإنسان المتكامل هو الإنسان المتحرك وصانع التاريخ الذي يُحرِّك الأرواح الساكنة والمستسلمة، ويمدنا مالك بن نبي بنموذجٍ عن هذا الإنسان الفاعل الذي لا يرتكن ولا يطمئن للأوضاع القاتلة؛ وهو سيدنا موسى عليه السلام ومكابدته مع قومه، فيقول إن "أول ما يكون من أثر هذه الحالة في نفس الفرد أنها تحرمه الشعور بالاستقرار، بما يعتريه ويسيطر على مشاعره من قلق لا يمكن دفعه إلا بتغيير الوضع، بتغيير الأشياء، بالوقوف أمام الحوادث لتوجيهها لغايات واضحة وقريبة في شعور الفرد، سواء أكان الواقع يؤيد هذا الشعور أم لا يؤيده، فلقد رأينا إحدى صورها تحققت في تاريخ بني إسرائيل، الذين كان فرعون يسومهم من العذاب ألواناً... من غير أن يجد بنو إسرائيل المخرج من هذا العذاب، حتى استسلمت أنفسهم له، ورضوا وهم كارهون، ولقد ظلوا على ذلهم حتى جاءهم موسى عليه السلام، فأثار قضية بني إسرائيل أول ما أثارها في أذهان بني جلدته أنفسهم، فصوَّر لهم حالة خطر أو بالضبط حالة إنقاذ، لا تستطيع معها النفوس أن تعمد إلى الاستقرار بما يسودها من القلق الدائم ... وهكذا شعر بنو إسرائيل أنه لا بد من السير إلى حيث تدعوهم الأقدار، ورأوا في موسى ذلك المنقذ الذي يستطيع أن يقوم بهذه المهمات جميعاً، فارتفع صوته أولاً في بني إسرائيل، فدّك صوته الأرواح الساكنة المستسلمة، فحرَّكها وأشاع فيها القلق، ثم صوَّر لهم ضرورة السير معه في الطريق" (بن نبي، 2019،ص136).

 الإنسان المتكامل هو الإنسان الذي يملك الطاقة الأخلاقية أو التوتر الأخلاقي في قلبه، وهو المدرك بثقل رسالته وقدرته على التغيير، يقول الله عز وجل ﵟإِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا ٥ﵞ ﵝالمُزَّمِّل : ﵕﵜ، يتدبر مالك بن نبي في هذه الآية لينيرنا بمعانيها المشعّة على روح الإنسانية فيقول" إنه ثقل الفكرة الدينية والتجربة الخلقية، ثقل الإيمان المضطرم لدى ربع الإنسانية الآن، وهو أيضاً ميزان التاريخ، ثقل تلك الحضارة الإسلامية التي كانت خاتمة لدورة الحضارات، نعم... إنه لقول ثقيل ... فأي إرهاص... ليس للفكرة وللتاريخ اللذين مازال امتدادهما مستمراً حتى الآن فحسب، بل لتيار الوحي ذاته، ذلك الذي سينتهي بعد ثلاثة وعشرين عاماً" (بن نبي،1987،ص270).

4- التكامل الأخلاقي في فكر مالك بن نبي.

 نريد أن نوضح في هذه الدراسة بعض المفاهيم المنهجية والأخلاقية المهمة التي تساهم في رسم معالم الشخصية الفاعلة والمتكاملة التي انطبعت في المجال التداولي الإسلامي، والتي تتمثل في تلك الخاصية في التداخل المعرفي بين العلوم في الممارسة التراثية وكذا التكامل بين العلم والأخلاق، وهو مفهوم التكامل المعرفي والأخلاقي، لذا لا بد أن نعرج أولاً إلى مفهوم التكامل المعرفي، لأن بهذا المفهوم الأخير يمكننا أن نحقق التكامل الأخلاقي الذي يجمع بين العقل المعرفي والعملي، أو بين منطق الفكرة والعمل، إذ نجد هذا المفهوم يُستخدم في كثير من الأحيان "ليعني أن شخصاً ما موسوعي في معرفته وثقافته لأنه يلم بكثير من العلوم، ولو كان إلمامه من باب الثقافة العامة وليس المعرفة التخصصية، وفي هذا السياق يجرى التنويه ببعض العلماء المسلمين الذين اتصفوا بالتكامل المعرفي بمعنى الموسوعية في اللغة، والأدب وعلوم القرآن، وعلوم الحديث والتاريخ، وربما الفلك أو الطب أو الرياضيات، فالإمام الطبري مثلاً هو مُفَسِّر ومُؤرِّخ وفقيه وعالم لغة وشعر، وابن خلدون في الأساس مغامر سياسي لكنه عُرِفَ بأنه مؤرخ وقاضي القضاة المالكية بمصر، وكثيرون ينسبون له الإبداع في العلوم الاجتماعية" (الملكاوي، 2012،ص15)، وابن سينا أيضاً فيلسوف وطبيب، وابن تيمية كتب في التصوُّف والفقه والسُنَّة، وغيرهم من العلماء المسلمين الذين أبدعوا في أكثر من عِلْمٍ واحد .

 والتكامل المعرفي هنا لا يمكن أن نختزله في الحقل المعرفي فقط "وإنما هو عملية نفسية تربوية تستهدف تحرير العقل المسلم، وتربي الوجدان المسلم، وتنمِّي المسلم للإنجاز والإبداع والإصلاح " (الملكاوي،2012،ص47)، ويمدنا الدكتور فتحي حسن الملكاوي المعادلة المنهجية الإسلامية في السلوك التي تقتضي التكامل في التعامل المنهجي مع عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء، فالحديث عن الإنسان جسداً وروحاً حديثاً في التكامل المعرفي، والحديث عن الجمع والربط بين العقل والنقل هو حديث في جماع العلم،أيضاً التكامل بين الإنسان والعلم، وبين الإنسان والأخلاق. وتكامل بين الدين والدنيا، والعقل والواقع، وتكامل النظر مع الفعل، هذا ما يجعل التكامل ضرورة من ضروريات العلم ومقتضياته المنهجية، وسبيلاً لتكوثر العلوم، ليبقى العالم أو المتعلم يتقلَّب بين العلوم تارة في عالم الفكر، وتارة في عالم الأخلاق والدين والسياسة،أما التكامل الأخلاقي عند مالك بن نبي نلحظه حين رسم لنا رؤيته للعالم ومسالكه المنهجية في بناء مشروعه الحضاري، وذلك حين صاغ معادلته أن وراء كل ناتج حضاري نجد (الإنسان، التراب، الوقت).

 كما أكد على ضرورة التكامل بين العلم والعمل، والتكامل أو الجمع بين القلب والعقل لتحقيق الشخصية المتكاملة، ويقول في هذا "ليست المشكلة أن نُعَلِّم المسلم عقيدةً هو يملكها، وإنما أن نَرُدَّ إلى هذه العقيدة فاعليتَها وقوَّتَها الإيجابية،وتأثيرَها الإجتماعي، وفي كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده، ونملأ به نفسه باعتباره مصدرا للطاقة" (بن نبي،2002،ص54)، فالإصلاح يكون بتوفير الدافع الداخلي وليس بالأفكار المجردة، "فالمرء عندما يبلغ دور الاكتمال يضغط على نفسه، ويخالف ما درج عليه، محاولاً بذلك تعديل وضعه، وحينئذ يصبح كلامه إرادةً وعملاً يدلّان على وجود علاقة بين الكلمات والوقائع، فإذا ما انعدمت العلاقة بين الكلام والعمل أصبح الكلام هذرا" (بن نبي، 2002،ص70) ولتحقيق الذات تكاملها لا بدأن تتذوق حقائق العلم وفاعليته، وهنا يبيّن مالك بن نبي سبب جمود الحركة الفكرية في المجتمع الإسلامي، وانفصال الفكر عن العمل حيث "لم يكن العلم الذي قبسته من جامعات الغرب وسيلة للإسعاد، بل كان طريقاً إلى المظهرية، لم يكن ذلك العلم استبطاناً لحاجة مجتمع يريد معرفة نفسه ليحدث تغييرها، بل لم يكن استظهاراً لبيئة نبحث عنها لنغيرها، فهو قانع منطوٍ على ذاته حبيس في صوره وأشكاله المألوفة" (بن نبي،2002،ص84).

 ربما نجد من يسأل هنا عن سر العلاقة التكاملية بين العلم والنفس، فنقول: إن الأرواح نعيمها بالعلوم والمكاشفات، لذا فالنفس ذات كمال ونقص "فكمالها بالعقل والعلم، ونقصها بالجهل والشهوات، وكما أن نقص القمر في الكسوف قد يكون سببه الأرض وهو الأسفل من العالم،كذلك نقص النفس إنما هو من ارتكاب الشهوات ومحلها أسفل سافلين، وكما أشرقت الأرض بنور الشمس كذلك أشرقت الأجسام بنور الروح " (العربي،2015،ص76). فالروح وحده هو الذي يتيح للإنسانية أن تحيا وتفطن لما تعيشه من شرود فكري وشذوذ سلوكي، فحيثما فقدت الروح سقطت الحضارة وانحطت في أسفل السافلين "فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل،إذ يفقد الإنسان تعطشه للفهم وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة وقوة الإيمان (نبي، 2002،ص31)، فليس فكرة الإيمان ومبادئ الأخلاق مراكز ساكنة وثابتة، بل هي القوة المحرِّكة والدافع الداخلي لتثوير القيم الحية، لذا يقول كانط: "المبدأ الأخلاقي المحض- ليس فقط لأنه هو المبدأ الوحيد الذي يؤسس خُلُقاً ( طريقة تفكير عملية ومنطقية وفقاً لمسلمات ثابتة)،بل أيضاً لأنه يعلم الإنسان أن يشعر بقيمته الشخصية - الذي يمنح النفس قوة لم يكن يتوقعها هو نفسه، تسمح له بأن ينتزع نفسه من علاقة حسية تحاول السيطرة عليه، ويجد تعويضاً عن التضحيات التي يُقدمها في استقلالية طبيعته العقلية، وفي عظمة النفس التي يرى أنه مدعو إليها" (كانط، 2008،ص 255)، إذن هنا يكون التكامل بين الفكرة الخلقية وبين القيمة العملية.

5- خاتمة:

 بعد التطواف بين أركان فلسفة القيم عند مالك بن نبي لا بد أن نقتطف ثمار الأفكار لهذه المداخلة، وذلك بالقول إن القيمة عند مالك بن نبي لم تُخْتَزَل دلالتها في دائرة ضيقة، أو أنه خصص لها حيزاً في مشروعه الفكري الحضاري، بل الحديث عن القيم لمالك بن نبي يعني الحديث عن نهج الحضارة وروح الحضارة، فالأخلاق هي الميثاق الغليظ في نسيج شروط النهضة، فالطاقة الأخلاقية هي نقطة انطلاق الحضارة عند مالك بن نبي، وأفولها يكون بأفول وغروب الروح الأخلاقية، فما طالعنا به مالك بن نبي هو رؤية استشرافية للمستقبل، والواقع يشهد على تأملاته، فلم يشفَ بعد الإنسانُ المسلمُ من داء القابلية للاستعمار، بل لا يزال يغرق يوماً بعد يوم في طوفان الاستهلاك والمادية، وللشفاء من هذه الجروح لا بد من وصفة قيمية لبناء الإنسان المتكامل، وذلك بضرورة تفعيل الأخلاق العملية من خلال ترسيخ مبدأ المنطق العملي.

المصادر والمراجع :

  1. ابن قيم الجوزية. (2013). روضة المحبين ونزهة المشتاقين. الجزائر: دار الكتاب الحديث.
  2. إمانويل كانط. (2008). نقد العقل العملي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
  3. فتحي حسن الملكاوي. (2012). منهجية التكامل المعرفي، مقدمات في منهجية الإسلامية. الأردن: المعهد العالمي للفكر الإسلمي.
  4. مالك بن نبي. (1987). الظاهرة القرآنية. دمشق: دار الفكر المعاصر.
  5. مالك بن نبي. (2009). فكرة الإفريقية الأسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ. دمشق: دار الفكر المعاصر.
  6. مالك بن نبي. (2006). في مهب المعركة. دمشق: دار الفكر.
  7. مالك بن نبي. (2019). مشكلات الحضارة: تأملات. دمشق: دار الفكر.
  8. مالك بن نبي. (2011). مشكلات الحضارة: شروط النهضة. بيروت: دار الكتاب اللبناني.
  9. مالك بن نبي. (2002). وجهة العالم الإسلامي. دمشق: دار الفكر.
  10. محي الدين ابن العربي. (2015). التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية. دار الثقافة.

 

هل الجيل الجديد مدان بسبب حبه المتعة المرأة في الأحاديث النبوية قراءة مقاصدية