سقوط لم يكن حدثًا تاريخيًا بقدر ما كان قانونًا حضاريًا
لم يكن الثاني من يناير سنة 1492 مجرّد تاريخ في كتب الذاكرة، بل لحظة كاشفة لمنطق سقوط ما يزال يتكرّر بأسماء وأمكنة مختلفة. قبل 534 عامًا، سلّمت غرناطة مفاتيحها، لا لأن العدو كان أقوى فقط، بل لأن الداخل كان أضعف، وأكثر تشرذمًا، وأقل وعيًا بقوانين التاريخ. واليوم، ونحن نتابع ما يجري في غزة، وما يعتري الجسد العربي من تفتيت وانقسام، يعود السؤال بإلحاح: هل سقطت الأندلس فعلًا يومها، أم أننا ما زلنا نعيش فصول سقوطها حتى الآن؟ إن استحضار الأندلس اليوم ليس حنينًا إلى ماضٍ ضائع، بل محاولة لفهم حاضر مأزوم، واستشراف مستقبل لا يملك ترف تكرار الأخطاء نفسها.
لم تسقط غرناطة فحسب، بل أُسدل الستار على تجربة حضارية كاملة امتدت قرابة ثمانية قرون، وبدأ فصل طويل من الانكسار الرمزي والفعلي في الوعي العربي-الإسلامي. إن تسليم أبي عبد الله الصغير مفاتيح غرناطة للملوك الكاثوليك لم يكن حدثًا معزولًا ولا لحظة مفاجئة في التاريخ، بل كان النتيجة المنطقية لمسار طويل من التفكك الداخلي، والتنازع، وفقدان البوصلة الحضارية.
الأندلس: سقوط الجغرافيا أم سقوط المعنى؟
غالبًا ما يُختزل سقوط الأندلس في صورة بكائية عاطفية، لكن القراءة العميقة تكشف أن ما سقط قبل الأرض هو الإنسان الأندلسي حين تفتّت ولاؤه، وتراجع وعيه، واستبدل مشروع الأمة بمشاريع الطوائف. لقد انهارت الأندلس يوم تحولت دويلاتها إلى أدوات في يد الخصم، ويوم صار الاستقواء بالعدو خيارًا سياسيًا مشروعًا، ويوم أُسكت صوت العلماء وأُقصي العقل لصالح البلاط واللهو.
ومن هنا فإن الأندلس ليست ذكرى تاريخية، بل نموذجًا متكررًا، لأن شروط سقوطها قابلة للاستنساخ، وقد استُنسخت مرارًا.
من غرناطة إلى غزة: التاريخ يعيد منطقه
ما يحدث اليوم في غزة لا يمكن فصله عن منطق الأندلس، وإن اختلفت الأزمنة والأسماء.
في الحالتين:
في الحالتين:
- عدو خارجي واضح المشروع، لا يخفي أطماعه ولا أهدافه.
- جسد داخلي ممزق، منهك بالخلافات، تتنازعه الولاءات الضيقة.
- خذلان إقليمي ودولي، يتخذ أشكال الصمت، أو التواطؤ، أو التطبيع.
- خطاب تبريري يُلبس الهزيمة ثوب الواقعية السياسية أو “حكمة المرحلة”.
وكما سقطت غرناطة بعد حصار طويل واستنزاف ممنهج، تُستنزف غزة اليوم تحت حصار مركب: عسكري، وإنساني، وإعلامي، في ظل عجز عربي-إسلامي غير مسبوق، لا يقل خطورة عن السلاح ذاته.
تفتيت الأوطان: الأندلس بصيغة معاصرة
أخطر ما في سقوط الأندلس أنه لم يتوقف عند حدود إسبانيا، بل تحوّل إلى عقلية سياسية استُخدمت لاحقًا لتفكيك المجال العربي-الإسلامي:
تقسيم المقسم، تجزئة المجزأ، صناعة الكيانات الهشة، وإذكاء الصراعات الهوياتية والعرقية والطائفية.
تقسيم المقسم، تجزئة المجزأ، صناعة الكيانات الهشة، وإذكاء الصراعات الهوياتية والعرقية والطائفية.
إن ما نشهده اليوم من:
- نزاعات داخلية،
- صراعات حدودية مفتعلة،
- مشاريع انفصالية،
- إضعاف متعمّد لفكرة الدولة الوطنية،
ليس إلا استمرارًا لمنطق غرناطة: إسقاط الداخل قبل أن يهاجم الخارج.
دروس السقوط: ماذا لم نتعلم بعد؟
بعد 534 عامًا، ما زالت الأسئلة ذاتها معلّقة:
1. لماذا يتكرر السقوط بأشكال مختلفة؟
2. لماذا نمتلك ذاكرة بكائية أكثر من امتلاكنا لعقل نقدي؟
3. لماذا نُجيد رثاء الأندلس ولا نُجيد منع تكرارها؟
2. لماذا نمتلك ذاكرة بكائية أكثر من امتلاكنا لعقل نقدي؟
3. لماذا نُجيد رثاء الأندلس ولا نُجيد منع تكرارها؟
أهم درس لم يُستوعب بعد هو أن الاحتلال لا ينتصر بقوته وحدها، بل بضعف خصمه، وأن أخطر أشكال الهزيمة هي تلك التي تُبرَّر أخلاقيًا وسياسيًا باسم الواقعية أو درء المفاسد.
الحاضر والمستقبل: هل من أفق؟
المستقبل لا يُقرأ بالنوستالجيا ولا باللعنات التاريخية، بل بإعادة بناء:
- الوعي: وعي تاريخي ناقد لا يمجّد الماضي ولا يجلد الذات.
- الإرادة: إرادة سياسية مستقلة لا تُدار من الخارج.
- الوحدة الوظيفية: لا بمعنى الإلغاء، بل بمعنى التنسيق في القضايا المصيرية.
- القوة الشاملة: علمية، واقتصادية، وإعلامية، وثقافية، لا عسكرية فقط.
- الإرادة: إرادة سياسية مستقلة لا تُدار من الخارج.
- الوحدة الوظيفية: لا بمعنى الإلغاء، بل بمعنى التنسيق في القضايا المصيرية.
- القوة الشاملة: علمية، واقتصادية، وإعلامية، وثقافية، لا عسكرية فقط.
إن الأندلس لن تعود جغرافيا، لكن يمكن أن تعود درسًا حضاريًا إذا امتلكنا الشجاعة للاعتراف بأن السقوط يبدأ من الداخل، وأن غزة اليوم ليست قضية هامشية، بل مرآة لمصير أمة بأكملها.
في ذكرى سقوط الأندلس، لا نحتاج دمعة جديدة، بل وعيًا جديدًا؛ وعيًا يدرك أن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعيد قوانينه على من يصرّ على تجاهلها.