مقاربة تحليلية في ضوء أطروحات منظّري النهضة الإسلامية المعاصرة
يحتلّ سؤال النهضة موقعًا مركزيًا في الفكر العربي - الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقد ظلّ الحافز المحرّك لجهود الإصلاح والتجديد لدى مفكّرين كبار من أمثال الأفغاني وعبده والكواكبي، وصولًا إلى مالك بن نبي، وعبد الوهاب المسيري، وطه عبد الرحمن، وجاسم السلطان وغيرهم.
غير أنّ هذا السّؤال لم يكن واحدًا؛ بل تشكّل في صورتين أساسيتين: "لماذا ننهض؟" و"كيف ننهض؟".
وفي حين يبدو أن السؤالين متجاوران وظيفيًا، فإنّهما من النّاحية التحليلية يشيران إلى مستويين مختلفين: الأول يتعلق بالمعنى والغاية، والثّاني بالمنهج والآليات.
وقد أفضى الخلط بين هذين المستويين - أو تغليب أحدهما على الآخر - إلى تشوّش في الرؤية النهضوية، ما يجعل من الضّروري إعادة ضبط العلاقة بين السؤالين لضمان تكامل المسار الحضاري المطلوب.
أولًا: سؤال "لماذا ننهض؟"؛ سؤال الغاية والشّرعية الحضارية:
يُحيل سؤال "لماذا ننهض؟" إلى البحث عن الدّوافع الأخلاقية والوجودية التي تجعل النهضة ضرورة، وهو سؤال الرؤية الكبرى، أو بتعبير آخر: السؤال الذي يمنح المشروع الحضاري شرعيته ومعناه.
1. النهضة كاستعادة للفاعلية الإنسانية (مالك بن نبي)
يؤكّد مالك بن نبي أن مشكلة العالم الإسلامي هي أوّلًا مشكلة "إنسان فقد فاعليته"، أكثر مما هي مشكلة اقتصاد أو سياسة، ويرى أن "القابلية للاستعمار" ليست حادثة سياسية عابرة، بل حالة حضارية تكشف عن تراجع الإرادة وضعف الوعي بالذات.
من هنا، يصبح "لماذا ننهض؟" سؤالًا عن ضرورة استرجاع الإنسان لدوره الرّسالي، واستعادة قدرته على تحويل الأفكار إلى قوّة فاعلة في التاريخ.
2. النهضة كواجب أخلاقي وروحي (طه عبد الرحمن):
ينطلق طه عبد الرحمن من أن النهضة لا تقوم بلا أساس أخلاقي، وأن أي مشروع للتقدم إذا لم يُبنَ على "التخلّق" فإنّه مهدّد بالتحوّل إلى مجرّد استنساخ لحداثة غربية منفصلة عن قيم الأمة.
وعليه، فإنّ جواب "لماذا ننهض؟" يتمثّل في: إحياء المعنى الأخلاقي للحياة، وتحصين الهوية، وتحرير الإنسان من الانفصال الرّوحي الذي أصاب الحضارة الحديثة.
3. النهضة كتجاوز للتخلف التاريخي (جاسم سلطان وآخرون)
يقدّم جاسم سلطان النهضة بوصفها مشروعًا للتحرّر من التراكم التاريخي للتخلف: تشوش الرؤية، ضعف القيادة، غياب العمل الجماعي، وإعاقة الفعل المؤسّسي.
وبذلك يصبح سؤال "لماذا ننهض؟" سؤالًا عن مواجهة التحديات البنيوية التي تعيق الحركة الحضارية، وعن ضرورة فتح أفق جديد للأجيال القادمة.
ثانيًا: سؤال "كيف ننهض؟" سؤال المنهج والآليات العملية:
يمثّل "كيف ننهض؟" مستوى آخر من التفكير؛ مستوى التخطيط والعمل وإعادة بناء المؤسسات والإنسان والمجتمع.
1. منهج مالك بن نبي: شروط بناء الحضارة:
يضع بن نبي معادلته الشهيرة: (إنسان + تراب + وقت = حضارة) عندما تحرّكها فكرة دينية.
وتتمثل آليات النهضة عنده في:
• إعادة بناء الإنسان وتحريره من التبعية.
• استثمار الموارد الطبيعية بمهارة.
• الانضباط بالوقت وإدارته.
• استلهام الطاقة الرّوحية التي توفرها الفكرة الدينية.
2. منهج طه عبد الرحمن: التخلق قبل التحقق
يقترح طه عبد الرحمن مسارًا يبدأ من الداخل ثم يفيض إلى الخارج. فالنهضة الحقيقية هي نتاج:
• تزكية الفرد وتطهير دوافعه.
• ترسيخ قيم المسؤولية والإحسان والصدق.
• إنتاج معرفة تنطلق من رؤية قيمية لا من عقل أداتي محض.
وبذلك يصبح "كيف ننهض؟" عنده مشروطًا بإعادة تأسيس (الإنسان الأخلاقي).
3. منهج جاسم السلطان: هندسة المشروعات النهضوية
يقدّم سلطان أدوات عملية أقرب إلى التخطيط الاستراتيجي:
• قراءة الواقع وفهم قوانينه.
• صياغة رؤية واضحة وأولويات منضبطة.
• بناء المؤسسات الفاعلة.
• تكوين القيادات.
• تفعيل العمل الجماعي.
وهو يعتبر أن النهضة مشروع قابل للتصميم والتخطيط، لا مجرد أمنية أو حالة وجدانية.
ثالثًا: أي السؤالين أصح؟ تحليل العلاقة بين "لماذا" و"كيف".
ليس السؤال أيهما أصح؟ بل كيف يمكن ترتيب السؤالين على نحو يضمن اكتمال المشروع النهضوي؟
1. خطأ البدء بسؤال "كيف" قبل "لماذا".
البدء بالآليات دون تحديد الغاية يؤدي إلى تحويل النهضة إلى مشروع تقني أو سياسي بلا روح، وقد باءت مشاريع كثيرة بالفشل لأنها انطلقت من "كيف نصلح الاقتصاد؟" و"كيف نغيّر النظام؟" دون أن تملك جوابًا أخلاقيًا ورساليًا عن "لماذا؟"
2. ضرورة البدء بالرؤية ثم الانتقال إلى المنهج
أي مشروع نهضوي يحتاج أوّلًا إلى:
• رسالة أخلاقية.
• هوية واضحة.
• وعي بالتحديات وبالوظيفة الحضارية.
فمتى نُظمت الغاية، أمكن الانتقال إلى الوسائل دون ارتباك أو تناقض.
3. الصيغة الصحيحة: الجمع لا المفاضلة
النهضة تحتاج السؤالين معًا، لكن بترتيب محكوم:
ننهض لأن لدينا رسالة وقيمًا ووظيفة تاريخية (لماذا؟)،
وننهض عبر الإنسان والمؤسسة والعمل الجماعي (كيف؟).
بهذا التكامل فقط يصبح المشروع النهضوي ذا روح وذات فاعلة.
رابعًا: نحو تصميم مفاهيمي لسؤال النهضة
1. مستوى الرؤية (لماذا):
• استعادة الدور الرسالي للأمة.
• بناء وعي ذاتي منفتح.
• تعزيز القيم الأخلاقية.
• تحقيق الازدهار الإنساني بمعناه الشامل.
2. مستوى المنهج (كيف):
• التربية الأخلاقية والوجدانية.
• تطوير التعليم والبحث العلمي.
• إصلاح المؤسسات السياسية والاقتصادية.
• بناء اقتصاد منتج لا ريعي.
• صناعة القيادة وتنظيم العمل الجماعي.
3. مستوى الفاعلين (من ينهض؟):
• نخب فكرية - تربوية ذات كفاءة أخلاقية.
• قيادة سياسية حكيمة.
• مجتمع مدني نشط.
• أفراد يمتلكون الوعي والمهارة والانضباط.
خامسًا: تصاميم فكرية مختصرة
1. مالك بن نبي: الحضارة = (إنسان + تراب + وقت) × فكرة دينية.
2. طه عبد الرحمن: التخلق + التحقق = الاستقلال الحضاري.
3. جاسم سلطان: رؤية ← تشخيص ← تخطيط ← مؤسسات ← قيادة ← عمل جماعي.
خلاصة: تضافر الرؤية الأخلاقية مع المنهج العملي
إنّ النهضة ليست سؤالًا نظريًا، ولا مشروعًا تقنيًا، بل تحوّل حضاري طويل المدى يتطلب وضوح الغاية، وعمق الأخلاق، ودقة التخطيط، وفاعلية الإنسان.
وعندما تتضافر الرؤية الأخلاقية (لماذا؟) مع المنهج العملي (كيف؟)، يصبح المستقبل قابلًا للخلق لا للتوقع فقط، وتستعيد الأمة قدرتها على الإسهام في التاريخ من موقع الفاعل لا المفعول.