كثيرًا ما تتردّد في خطابنا الثقافي والفكري مفرداتٌ كبرى من قبيل النّهضة والنّهوض والاستنهاض، حتّى كادت تفقد دقّتها المفهومية من كثرة التداول وسوء الاستعمال؛ غير أنّ هذه المصطلحات، على تقاربها اللّفظي، تعبّر عن مستويات مختلفة من الوعي والفعل التّاريخي، ولا يستقيم أيّ مشروع حضاري جادّ ما لم يُحسن التّمييز بينها، ترتيبًا ووظيفةً ومآلًا.
أولًا- الاستنهاض: لحظة النداء وكسر السكون
الاستنهاض هو الفعل الأوّل في مسار التّغيير؛ إنّه نداء موجَّه إلى وعيٍ راكد، ومحاولة لزعزعة حالة السّكون الذّهني والنّفسي التي تعيشها الجماعات في فترات الانحطاط، لا يَفترض الاستنهاض وجود فعلٍ منظّم بعد، بل يشتغل في مستوى الإيقاظ والتّحريض الرّمزي والأخلاقي.
في هذا السّياق، يكون دور المفكّر والمصلح شبيهًا بدور (ناقوس الخطر)؛ يذكّر، يحتجّ، يصرخ أحيانًا، وقد عبّر مالك بن نبي عن هذا المعنى حين رأى أنّ أخطر ما يصيب المجتمعات المتخلّفة ليس الفقر المادي، بل قابلية الاستعمار، أي ذلك الخلل الدّاخلي في منظومة الأفكار والقيم الذي يجعل المجتمع عاجزًا عن الفعل، فالاستنهاض، عنده، يبدأ من تحرير الفكرة قبل تحرير الأرض.
ومن هنا نفهم لماذا كان الاستنهاض في الفكر الإسلامي الحديث مقرونًا بالخطاب الوعظي-الإصلاحي، كما نجده عند الأفغاني ومحمد عبده، أو في كتابات عبد الرحمن الكواكبي، حيث يتقدّم خطاب التحريض على الوعي على أي تصوّر عملي مكتمل.
ثانيًا- النهوض: الانتقال من الوعي إلى الفعل
إذا كان الاستنهاض نداءً، فإنّ النّهوض هو الاستجابة العمليّة الأولى لهذا النداء، إنّه انتقال من مجرّد الإدراك إلى الحركة، ومن التّشخيص إلى المبادرة، غير أنّ النّهوض يظلّ - في الغالب - جزئيًا ومحدود الأفق؛ قد يتجسّد في إصلاحات تعليميّة، أو محاولات اقتصادية، أو حركات سياسية، دون أن يبلغ بعد مستوى التحوّل الحضاري الشّامل.
النّهوض يفترض وجود إرادة جماعية بدأت تتشكّل، لكنّه لا يضمن بعدُ وحدة الرّؤية ولا استدامة الفعل. ولذلك كثيرًا ما شهد تاريخنا العربي-الإسلامي محاولات نهوض متقطّعة، سرعان ما تعثّرت أو أُجهضت، لأنّها لم تُبنَ على قاعدة فكريّة وقيميّة متماسكة.
وفي هذا الإطار، يشير محمد عابد الجابري إلى أنّ الإشكال لم يكن يومًا في غياب الرّغبة في التقدّم، بل في اختلال العلاقة بين التّراث والحداثة، وبين العقل والنّقل، ممّا جعل النّهوض يدور في حلقة مفرغة، بلا أفق نهضوي واضح.
ثالثًا- النهضة: اكتمال المشروع وتحوّل البنية
أمّا النّهضة فهي المرحلة المركّبة والأعمق؛ إنّها ليست حدثًا عابرًا ولا حملة إصلاحية، بل تحوّل بنيوي شامل يمسّ منظومة القيم، ونمط التفكير، وبنية الاقتصاد، ومؤسّسات التّعليم، وشكل الدّولة، وعلاقة الإنسان بذاته وبالعالم.
النّهضة، بهذا المعنى، لا تُختزل في التقدّم التّقني، ولا في استيراد نماذج جاهزة، بل تقوم على إنتاج ذاتي للمعنى وللأدوات، ولهذا كان مالك بن نبي شديد النّقد لفكرة (التّكديس الحضاري)، مؤكّدًا أنّ النّهضة لا تُقاس بما نملك من أشياء، بل بما نُحسن توظيفه ضمن رؤية حضاريّة متكاملة، قوامها: الإنسان، والتراب، والوقت.
كما يلتقي هذا التصوّر مع أطروحات طه عبد الرّحمن، الذي شدّد على أنّ أي نهضة لا تنطلق من تجديد أخلاقي عميق محكوم عليها بالاختزال أو الانحراف؛ فالعقل، في نظره، لا ينهض إلا إذا كان مسنودًا بالقيم، وإلا تحوّل إلى أداة هيمنة بدل أن يكون أداة عمران.
رابعًا- في العلاقة بين المفاهيم: مسار لا قفز فيه
الخطأ الشائع في خطابنا المعاصر هو القفز مباشرة إلى الحديث عن النهضة، دون استكمال شروط الاستنهاض والنهوض؛ فالنّهضة لا تُستدعى بالشّعارات، ولا تُفرض بالإرادة السياسية وحدها، بل تُبنى عبر مسار تراكمي:
استنهاضٌ يوقظ الوعي = نهوضٌ يترجم الوعي إلى فعل = نهضةٌ تؤسّس فعلًا تاريخيًا مستدامًا.
استنهاضٌ يوقظ الوعي = نهوضٌ يترجم الوعي إلى فعل = نهضةٌ تؤسّس فعلًا تاريخيًا مستدامًا.
وهنا يلتقي هذا التّصور مع طرح المفكر جاسم سلطان الذي شدّد، في مشروعه الفكري حول بناء النّهضة، على أنّ الإشكال المركزي في العالم العربي والإسلامي ليس غياب الرّغبة في التّغيير، بل اختلال ترتيب المراحل، فالكثير من مشاريعنا - في نظره - تبدأ من السّقف قبل ترميم الأساس، فتطالب بالنّهضة الشّاملة قبل بناء الإنسان المؤهّل لها.
يرى الدكتور جاسم سلطان أنّ النّهضة لا يمكن أن تُستولد مباشرة من الواقع المتأزّم، بل لا بدّ أن تسبقها مرحلة بناء الوعي المنهجي، أي الانتقال من وعيٍ انفعاليّ إلى وعيٍ تحليليّ قادر على فهم الواقع وتعقيداته. فالاستنهاض، عنده، ليس مجرّد تحريك للمشاعر أو استدعاء أمجاد الماضي، بل هو تكوين عقلٍ ناقد يمتلك أدوات القراءة والفهم والتّقدير، أمّا النّهوض، فيمثّل عنده لحظة الاشتغال المنظّم: تحويل الوعي إلى مشاريع جزئيّة واقعيّة، تراكم الخبرة وتدرّب المجتمع على الفعل المؤسّسي، قبل الطموح إلى التحوّل الحضاري الشّامل.
ويحذّر الدكتور جاسم من أنّ القفز على هذا المسار الطبيعي يجعل النّهضة شعارًا فضفاضًا، يُستهلك في الخطاب ولا يتحقّق في الواقع، مؤكّدًا أنّ النّهضات الحقيقيّة لا تولد دفعة واحدة، بل تُبنى ببطءٍ ووعيٍ وتراكم، وأنّ كلّ محاولة لتجاوز هذه السنن التاريخية محكومة بالتعثّر أو الارتداد.
وحين تختلّ هذه السّلسلة، إمّا أن يتحوّل الاستنهاض إلى خطاب عاطفي مستهلك، أو ينقلب النّهوض إلى حراك بلا بوصلة، أو تُختزل النّهضة في مظاهر شكلية خاوية من الروح.
خامسًا- نحو وعي مفهومي: شرطه النقد
إنّ الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من ترديد مفردة (النهضة)، بل إلى إعادة بناء الوعي بمسارها وشروطها. فالأمم لا تنهض لأنّها تريد، بل لأنّها تفهم نفسها، وتقرأ تاريخها نقديًا، وتحدّد موقعها في العالم بوعي ومسؤولية.
ولعلّ أول شروط النّهضة الحقيقيّة هو هذا الوعي المفهومي الصّارم الذي يضع كلّ مصطلح في سياقه، وكلّ مرحلة في موقعها، بعيدًا عن التبسيط والشّعارات، فهكذا فقط يتحوّل الفكر من ترفٍ ثقافي إلى قوّة تاريخيّة فاعلة.